أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم أن الحديث عن دخول سورية مرحلة شراكات وتنمية واستثمار تعزز مكانتها الإقليمية والدولية، يجد دليله المالي الملموس في أثر رفع التصنيف على كلفة وسرعة التمويل التجاري تحديدا.
ويرى عبد الكريم في حديثه لـ”الوطن” أنه عند اكتمال رفع تصنيف سورية كدولة راعية للإرهاب مع نهاية مهلة الإخطار الإلزامية للكونغرس، ستنخفض تلقائيا حالة التحوط المفرط من المخاطر التي تنتهجها البنوك المراسلة وشركات التأمين وإعادة التأمين الدولية، وهو ما ينعكس مباشرة على خفض كلفة فتح الاعتمادات المستندية وتسريع تسويات المدفوعات العابرة للحدود لصالح الشركات السورية والمستثمرين الأجانب فيها.
وأشار إلى أن هذا الأثر المالي المباشر يفسر لماذا استطاعت سورية، رغم بقاء التصنيف ساريا حتى الآن، جذب صفقات ملموسة بقيمة 28 مليار دولار، من أبرزها الحزمة السعودية البالغة 6.4 مليارات دولار عبر 47 اتفاقية، وصفقة الطاقة القطرية عبر مجموعة يو سي سي بقيمة 7 مليارات دولار، وامتياز ميناء طرطوس الإماراتي بقيمة 800 مليون دولار لمدة 30 عاما، وحزمة المشاريع الإماراتية القطرية الإضافية التي تقارب 14 مليار دولار، إلى جانب صفقة ميناء اللاذقية الفرنسية بقيمة 230 مليون يورو.

وبيّن أن إنجاز هذه الصفقات تحت وطأة التصنيف القائم يعني أن رفعه فعليا من المتوقع أن يرفع سقف حجم الصفقات القابلة للتمويل والتنفيذ، لأن العائق لم يعد قانونياً بحتاً، بل كان يتمثل بصورة أساسية في كلفة وسرعة المعاملة المصرفية ذاتها.
فجوة الإعمار
وفيما يتعلق بالقول إن إنهاء التصنيف إلى جانب رفع العقوبات يشكل ركيزة أساسية لتسريع التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، يرى عبد الكريم أن هذا الطرح يحتاج، من الناحية المالية البحتة، إلى وضعه في سياق الفجوة الرقمية الفعلية بين الحاجة والمتاح.
وأوضح أن كلفة إعادة الإعمار تقدر، وفق البنك الدولي، بمتوسط 216 مليار دولار ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، بينما لا تتجاوز الاستثمارات المعلنة حتى الآن 28 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 13% فقط من الحد الأدنى لتقدير الحاجة الفعلية لإعادة الإعمار وحده، من دون احتساب متطلبات تمويل الموازنة العامة وإعادة تأهيل القطاع المصرفي وسد عجز ميزان المدفوعات.
وأشار إلى أن الركيزة الحقيقية لتسريع التعافي لا تتمثل في رفع التصنيف بحد ذاته، بل فيما يفتحه هذا الرفع من قنوات تمويل إضافية كانت مغلقة جزئيا أمام سوريا، وفي مقدمتها إمكانية توسيع التمويل متعدد الأطراف من مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بعد تسديد المتأخرات المتراكمة البالغة نحو 15.5 مليون دولار.
وأضاف أن تسديد هذه المتأخرات سمح مبدئيا بصرف أول منحة تمويل مباشر بقيمة 146 مليون دولار لقطاع الكهرباء فقط حتى الآن، لكنه اعتبر هذا المبلغ رمزيا جدا قياسا بحاجة القطاع الكهربائي وحده ضمن مظلة إعادة الإعمار الأوسع.
مؤشرات الاندماج المالي
ولفت عبد الكريم إلى أن القول إن القرار يعكس الثقة المتزايدة بالمسار الجديد ويعزز فرص الاندماج الكامل في الاقتصاد والنظام الدولي، يمكن قياسه ماليا عبر ثلاثة عناصر رئيسية.
وأوضح أن العنصر الأول يتمثل في مسار تسوية الديون والمتأخرات السيادية، الذي بدأ فعليا بتسديد متأخرات البنك الدولي بدعم خليجي مشترك، معتبراً أن هذه الخطوة ضرورية وعادة ما تسبق أي تصنيف ائتماني سيادي جديد أو إعادة جدولة أوسع للديون الخارجية السورية المتراكمة من حقبة ما قبل عام 2011.
وأشار إلى أن العنصر الثاني يتعلق بمسار توحيد سعر الصرف بين السوق الرسمية والسوق الموازية، وهو مسار يرتبط مباشرة بمدى قدرة مصرف سورية المركزي على الوصول إلى احتياطيات نقد أجنبي كافية عبر قنوات التمويل الدولي بعد رفع التصنيف، لأن استقرار سعر الصرف يمثل شرطا أساسيا لأي ثقة استثمارية حقيقية وطويلة الأمد.
وأضاف أن العنصر الثالث هو مشاركة سورية في مسار التمويل ضمن مجموعة السبع، وهو مسار يحمل دلالة مالية أعمق من دلالته السياسية، كونه يفتح الباب أمام تنسيق مباشر مع أكبر الاقتصادات المانحة والمصدرة لرأس المال في العالم بشأن آليات تمويل إعادة الإعمار، وهو ما لم يكن متاحا بالشكل ذاته في ظل بقاء التصنيف قائما لعقود.
البنوك المراسلة.. القناة الأكثر حساسية
وبيّن عبد الكريم أن انعكاس القرار يجب أن يُفهم اقتصاديا وماليا عبر أربع قنوات متمايزة تحدد سرعة وعمق أثره الفعلي على الاقتصاد السوري، بعيدا عن جانبه السياسي والدبلوماسي.
وأوضح أن القناة الأولى تتعلق بسلوك المنظومة المصرفية الدولية تجاه سوريا، وهي القناة الأكثر حساسية من الناحية الفنية، إذ إن البنوك المراسلة وشركات التأمين وإعادة التأمين العالمية لا تتعامل مع الكيانات السورية استنادا إلى وجود حظر قانوني مباشر فقط، بل استنادا إلى ما يعرف في الأدبيات المصرفية بالتحوط المفرط من المخاطر.
وأشار إلى أن هذا المفهوم يعني امتناع المؤسسة المالية عن التعامل مع أي طرف مرتبط بدولة مصنفة راعية للإرهاب، تجنباً لأي تبعات قانونية أو سمعية محتملة، حتى في المعاملات التي لا تخالف قانونا بعينه.
وأضاف أن ذلك يفسر استمرار ارتفاع كلفة التمويل التجاري وفتح الاعتمادات المستندية لصالح الشركات السورية نسبياً، رغم رفع معظم العقوبات التنفيذية، مؤكدا أن رفع هذا التصنيف تحديدا، وليس فقط إلغاء قانون قيصر أو رفع الأوامر التنفيذية، يشكل نقطة التحول الحقيقية في كلفة وسرعة التعاملات المصرفية عبر الحدود.
التمويل الدولي بين المنحة والحاجة
وأوضح عبد الكريم أن القناة الثانية تخص علاقة سورية بمؤسسات التمويل الدولية متعددة الأطراف، وتحديدا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسات التمويل الإنمائي.
وأشار إلى أنه جرى بالفعل تسديد متأخرات سورية المتراكمة لدى البنك الدولي والبالغة نحو 15.5 مليون دولار بدعم سعودي قطري مشترك، ما سمح بصرف أول منحة تمويل دولي مباشر لصالح قطاع الكهرباء بقيمة 146 مليون دولار.
لكنه أكد أن هذا التمويل يبقى محدوداً جداً مقارنة بحجم الحاجة، لأن استمرار التصنيف كدولة راعية للإرهاب يفرض تاريخياً على الممثلين الأميركيين داخل هذه المؤسسات موقفاً تحفظياً تجاه أي تمويل موسع لدول مدرجة على هذه القائمة.
ولفت إلى أن ذلك يفسر بقاء التمويل متعدد الأطراف حتى الآن عند مستويات رمزية مقارنة بفجوة إعادة الإعمار المقدرة بمتوسط 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار وفق تقديرات البنك الدولي، وبنطاق أوسع يتراوح بين 250 و400 مليار دولار وفق تقديرات الأمم المتحدة.
بين الإعلانات والتنفيذ الفعلي
وأشار عبد الكريم إلى أن القناة الثالثة تتعلق بتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث يظهر الفارق بين الإعلانات والتنفيذ الفعلي بوضوح في الأرقام المتاحة.
وأوضح أن الاستثمارات المعلنة منذ سقوط النظام السابق تبلغ 28 مليار دولار، وتتوزع أبرز الصفقات الملموسة على الحزمة السعودية البالغة 6.4 مليارات دولار عبر 47 اتفاقية، منها نحو 2.93 مليار دولار في العقارات والبنية التحتية، وأكثر من 1.07 مليار دولار في الاتصالات والتكنولوجيا.
وأضاف أن هذه الصفقات تشمل أيضا صفقة طاقة قطرية عبر مجموعة يو سي سي بقيمة 7 مليارات دولار، وامتياز ميناء طرطوس الإماراتي بقيمة 800 مليون دولار لمدة 30 عاما، وحزمة مشاريع إماراتية قطرية أخرى تقارب 14 مليار دولار، وتشمل توسعة مطار دمشق الدولي بنحو 4 مليارات دولار ومشروع مترو العاصمة بنحو ملياري دولار، إلى جانب صفقة ميناء اللاذقية مع الجانب الفرنسي بقيمة 230 مليون يورو.
وبيّن أن هذه المبالغ مجتمعة، رغم أهميتها النوعية، لا تتجاوز عمليا نحو 13% من الحد الأدنى لتقدير كلفة إعادة الإعمار وحدها، ما يوضح أن رفع تصنيف الدولة الراعية للإرهاب شرط ضروري لتسريع تدفق رأس المال، لكنه لا يضمن بمفرده تحويل الإعلانات إلى تنفيذ فعلي ممول بالكامل.








