مصدر خاص لـ “الوطن”: تأجيل انعقاد الجلسة الأولى للمجلس التي كانت مقررة يوم الإثنين إلى موعد يحدد لاحقا

وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني يصل إلى الدوحة للقاء رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني

الرئيس أحمد الشرع يستقبل وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في قصر الشعب بدمشق لبحث العلاقات الثنائية

وزير النقل يعرب بدر خلال مؤتمر صحفي: سنعلن عن استدراج عرض لإنشاء طريق ثان وجديد لطريق دمشق دير الزور مروراً بتدمر

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

العملة والامتثال والرقمنة.. خبير يفكّك ركائز التحوّل الاستراتيجي في سياسة المركزي

‫شارك على:‬
20

يرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن الاقتصاد السوري يخطو في توقيت بالغ الدقة والحساسية أولى خطواته نحو إعادة تعريف علاقته بالعالم، مؤكداً أن التصريحات الأخيرة لحاكم مصرف سورية المركزي محمد صفوت رسلان تشكّل إعلاناً عن تحوّل استراتيجي عميق، فبالتزامن مع التحولات الجيوسياسية الكبرى، وفي مقدمها رفع العقوبات الأميركية، يرسم المركزي ملامح حقبة جديدة تقوم على ثلاث ركائز أساسية تتمثل في استعادة الثقة بالعملة الوطنية، والاندماج في النظام المالي العالمي عبر مكافحة غسل الأموال، وفتح الباب أمام ثورة رقمية من خلال المحافظ الإلكترونية، ويشير إلى أن هذه التحركات، رغم طابعها التقني، تحمل في جوهرها إجابة عن السؤال الوجودي للاقتصاد السوري حول كيفية إعادة بنائه على أسس متينة من الشفافية والثقة.

خطوة لإعادة بناء الثقة

ويعتبر محمد أن الإعلان عن إنجاز استبدال ما يقرب 80 بالمئة من العملة الوطنية، هو جراحة نقدية تستهدف تحقيق عدة أهداف في آن واحد، ولا يقف عند التغيرات اللوجستية لاستبدال أوراق نقدية تالفة أو تغيير تصميمها، فمن خلال هذه العملية يسعى المصرف المركزي إلى امتصاص الكتلة النقدية الموجودة خارج الجهاز المصرفي، إذ إن الاقتصاد الذي يعاني آثار التضخم وفقدان الثقة، يشهد تسرب كميات كبيرة من العملة خارج القنوات الرسمية، الأمر الذي يضعف فاعلية السياسة النقدية، بينما تتيح عملية الاستبدال ظهور هذه الأموال مجدداً، ما يمنح المصرف المركزي صورة أكثر دقة عن الحجم الحقيقي للكتلة النقدية.

ويضيف: إن إصدار فئات نقدية جديدة تتمتع بمواصفات أمنية عالية يشكل أيضاً خطوة مهمة في مكافحة تزييف العملة، والحد من نشاط الشبكات التي تستغل فترات عدم الاستقرار، كما يمثل خطوة رمزية لضبط الاقتصاد غير الرسمي الذي يعتمد بصورة شبه كاملة على التعاملات النقدية.

ويرى أن نجاح عملية بهذا الحجم والتعقيد، يبعث برسالة قوية إلى المواطنين والمستثمرين مفادها، أن المؤسسة النقدية تمتلك القدرة على التخطيط والتنفيذ، وهو ما يعدّ حجر الأساس لاستعادة الثقة بالعملة الوطنية بوصفها وعاءً للادخار ووسيطاً للتبادل، وليس مجرد أداة للمضاربة.

بوابة الاندماج المالي الدولي

وفي قراءته لتصريحات حاكم المركزي بشأن إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والعمل على رفع سوريا من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)، يرى محمد أن هذا التصريح يمثل الاعتراف الأكثر وضوحاً بأن الانفتاح الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق من دون الامتثال الكامل للمعايير الدولية.

ويؤكد أنه لا يمكن لأي بنك مركزي أو تجاري في العالم أن يتعامل بصورة طبيعية مع سوريا وهي مدرجة على هذه القائمة، وأن الخروج منها لا يرتبط فقط برفع العقوبات، وإنما يعد شرطاً أساسياً لفتح قنوات التحويلات المالية الدولية، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والحصول على التمويل التجاري.

ويشير إلى أن هذه الاستراتيجية تعني عملياً بناء منظومة متكاملة للرقابة والشفافية تشمل البنوك وشركات التأمين ومكاتب الصرافة، إضافة إلى المحامين والمحاسبين، ما يضمن حماية النظام المالي السوري من الأموال غير المشروعة، معتبراً أن ما يجري هو عملية إعادة تأهيل مالي على أعلى المستويات.

الانتقال إلى الاقتصاد الرقمي

ويصف أستاذ المصارف الإعلان عن قرب إصدار الإطار التنظيمي لترخيص المحافظ الإلكترونية، بأنه من أكثر التحركات حداثة وجرأة، إذ يرى أن المركزي، رغم التحديات التي ما زال الاقتصاد السوري يواجهها، يتجه نحو المستقبل بخطوة استراتيجية لا تمثل رفاهية، وإنما ضرورة وطنية.

ويوضح أن المحافظ الإلكترونية ستعزز الشمول المالي، إذ ستتيح لأي مواطن يمتلك هاتفاً محمولاً فتح حساب مالي وإجراء التحويلات والمدفوعات، وهو ما يسهم في إخراج ملايين السوريين من دائرة الاقتصاد النقدي البحت، كما أنها ستزيد سرعة وكفاءة التحويلات المالية، وتسرّع دورة رأس المال، وتخفض تكاليف التعاملات، الأمر الذي يعد ضرورياً لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تحدث عنها حاكم المركزي.

ويضيف: إن المحافظ الإلكترونية تمثل أيضاً أداة فعالة في مكافحة الفساد والتهرّب الضريبي، لأن كل معاملة رقمية تترك أثراً يمكن تتبعه وتدقيقه، ما يجعلها حليفاً أساسياً في تنفيذ استراتيجية مكافحة غسل الأموال، ويضمن وصول الإيرادات الضريبية إلى خزينة الدولة بصورة أكثر عدالة وتنظيماً، كما يشير إلى أن هذه المحافظ ستشكل البنية التحتية للشراكة مع القطاع الخاص الذي سيقود عملية الابتكار في خدمات الدفع، ويوفر فرص عمل، ويقدم خدمات مالية عصرية تتناسب مع مرحلة الانفتاح والشراكة الاقتصادية الجديدة مع دول مثل فرنسا.

ويخلص محمد إلى أن ما يطرحه حاكم المركزي لا يقتصر على إصلاحات تقنية، بل يمثل رؤية متكاملة ومترابطة لإعادة بناء العقد الاجتماعي والاقتصادي على أساس الثقة والشفافية، ويرى أن نجاح استبدال العملة يسهم في بناء الثقة الداخلية، بينما يؤدي الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال إلى تعزيز الثقة الخارجية، في حين تمثل المحافظ الإلكترونية الجسر التكنولوجي الذي يربط بين المسارين ويؤسس لاقتصاد حقيقي أكثر شمولاً وكفاءة.

ويؤكد أن التحدي الأكبر لم يعد في إطلاق هذه المبادرات، وإنما في سرعة وجودة تنفيذها، وضمان التنسيق الكامل بين السياسة النقدية والسياسة المالية، إلى جانب توفير بيئة قانونية وتنظيمية شفافة قادرة على جذب الكفاءات والاستثمارات.

ويختتم بالقول: إن المتغيرات الدولية والإصلاحات الداخلية فتحت نافذة ذهبية أمام الاقتصاد السوري، وأصبحت الكرة الآن في ملعب صانع القرار الاقتصادي لتحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس يعيد لدمشق دورها الاقتصادي الذي يليق بتاريخها، مؤكداً أن الطريق لا يزال طويلاً، لكن البوصلة الصحيحة قد حُدّدت أخيراً.