نظّمت مديرية التنمية الإدارية في مجلس مدينة حلب ورشة عمل متخصصة بعنوان: “إدارة الأصول في مجلس مدينة حلب وتحقيق القيمة”، بغية تعزيز خدمات المجلس والنهوض بها.
وهدفت الورشة، التي جرت برعاية وحضور رئيس مجلس مدينة حلب طلال الجابري وبمشاركة أعضاء المكتب التنفيذي لمجلسي المحافظة والمدينة وعدد من مديري المديريات والخبراء والمعنيين “إلى تعزيز مفاهيم الإدارة الحديثة للأصول، ورفع كفاءة استخدام الموارد العامة بما يسهم في تحقيق استدامة الخدمات وتحسين جودة الأداء المؤسسي”، وفق مجلس مدينة حلب.

وتناول الدكتور المهندس رامي شحادة والدكتور المهندس بشار الحكيم خلال الورشة محاور إدارة دورة حياة الأصول، وتقييم المخاطر، والصيانة الاستباقية، وأهمية الاعتماد على البيانات في التخطيط واتخاذ القرار، إلى جانب جلسات نقاش تفاعلية استعرضت واقع إدارة الأصول والتحديات والحلول المقترحة.

وأكد المشاركون أهمية تطوير آليات العمل الإداري والفني، وتحسين إدارة الموارد، وتوظيف التقنيات الحديثة في التخطيط والصيانة، بما يعزز استدامة الخدمات العامة ويرتقي بمستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
ويروي الحكيم وشحادة في منشور مشترك عبر “فيسبوك”: “بدأنا الورشة بتعريف بسيط: الأصل هو أي شيء له قيمة. وإدارة الأصول هي كيف نحقق أفضل قيمة من هذه الأصول. طوال اليوم، تحدثنا معاً عن التكاليف الخفية التي ننساها، عن الصيانة الوقائية بدل الإصلاحية. عن التخطيط لدورة الحياة كاملة، وليس فقط مرحلة الشراء أو البناء”.
وفيما ركز الحكيم على الجانب الاقتصادي والتكاليف، تناول شحادة الجانب الفني والهندسي للأصول “عندما شرحنا للحضور أن المخاطر = احتمالية العطل × شدة التأثير، أدركوا فجأة لماذا يجب أن نركز على بعض الأصول قبل غيرها، لماذا مكب النفايات غير المرخص أخطر من حاوية نفايات ذكية، لماذا شاحنة قديمة تؤثر في الخدمة أكثر من غيرها”.
يقول صاحبا المنشور: “لم تكن الورشة مجرد تدريب، كانت محاولة لتغيير ثقافة، لأن المشكلة في حلب ليست فقط نقص الموارد، بل نقص المنهجية في توزيعها. وكثيراً ما نرى قرارات أو ردود أفعال سريعة، بدلاً من استراتيجيات مدروسة.
في خضم حديثنا عن الأصول وقيمتها، وقفتُ لأعطي الحضور مثالاً حياً يلمسونه كل يوم.
قلتُ لهم: تخيلوا معي أننا ننشئ محطة معالجة للصرف الصحي في حلب. قد ينظر البعض إليها على أنها تكلفة باهظة، وقد يتساءل آخرون: لماذا ننفق الملايين على شيء لا نراه؟
لكن الحقيقة مختلفة تماماً..
هذه المحطة ليست تكلفة، إنها استثمار في المستقبل، تستخدم أكثر من 5 ملايين نسمة من سكان حلب وريفها، وستعود علينا بفوائد مادية لا تحصى، لأن معالجة مياه الصرف الصحي تعني تقليل تكاليف العلاج من الأمراض الناتجة عن التلوث، ستعود بفوائد بيئية هائلة، لأننا سنوقف تلوث التربة والمياه الجوفية، ونحمي الأراضي الزراعية من الدمار، ونعيد الحياة للأنهار التي ماتت بسبب الصرف الصحي، ستعود بفوائد صحية واضحة، لأننا سنقلل نسبة التيفوئيد والكوليرا والأمراض الجلدية التي تفتك بالأطفال وكبار السن”.
ويضيفان: “وليس هذا فقط، بل ستنتج هذه المحطة مياهاً صالحة للسقاية، بكمية تصل إلى 10 أمتار مكعب في الثانية، أي ما يعادل كميات مياه نشربها اليوم تجلبها من نهر الفرات بتكلفة باهظة.
تخيلوا أن مياه الصرف الصحي التي نرميها اليوم في الوديان والمجاري المكشوفة، ستتحول غداً إلى ماء يروي حدائقنا ومزارعنا ومساحاتنا الخضراء.
تخيلوا أننا بدلاً من أن نستورد أو ننقل الماء من الفرات، سننتجه هنا، في قلب حلب، من مخلفاتنا.
أليس هذا هو المعنى الحقيقي لإدارة الأصول، أليس هذا هو تحويل العبء إلى قيمة، والنفايات إلى مورد، والتحدي إلى فرصة”؟.
في المحصلة “أدرك الحضور أننا لا نتحدث عن نظرية، بل عن حياة، عن مستقبل أولادهم، عن أرض تئن تحت وطأة الإهمال، وتنتظر من يمدّ لها يد العون، وفي نهاية اليوم، ومع ورش العمل الثلاث، خرج المشاركون بتوصيات عملية. لم تكن مجرد كلام نظري، بل خطوات واضحة: رقمنة البيانات، استخدام GIS، تقييم المخاطر، مقارنة التكاليف مع الإيرادات، وتطوير خطط الصيانة الاستباقية، والبدء بدراسة جدوى لمشروع محطة معالجة الصرف الصحي.. المفاجأة كانت لي بأن معالجة الصرف الصحي لم تعد من مهام مجلس مدينة حلب..إنها من مهام وزارة الطاقة”!!
وخلصا إلى القول في ورشة العمل: “أصول سوريا ليست للبيع، ليست الأصول مجرد أرض، عقار من حجر وإسمنت، إنها ذاكرة الوطن وهويته ومستقبله. بيعها ليس حلاً، بل هروب إلى الأمام. الحل هو في تطويرها، واستثمارها، وإدارتها بكفاءة، لأن قيمتها الحقيقية لا تقاس بسعر السوق، بل بما تقدمه لأبناء هذا البلد وللأجيال القادمة، ومحطة معالجة الصرف الصحي هي أصل من أصول سورية، لكن قيمتها الحقيقية في انشائها، تشغيلها، وتطويرها، واستثمار عوائدها لخدمة الناس”.








