أعادت زيارة الفرقاطة التابعة للقوات البحرية التركية إلى ميناء اللاذقية، وهي الأولى منذ عام 2011، طرح مستقبل البحرية السورية ودورها في مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة وفق رؤية حديثة تقوم على المعرفة والتكنولوجيا والكفاءة البشرية، كما عكست أهمية التحولات التي يشهدها الأمن البحري في المنطقة.
وتكتسب إعادة بناء البحرية السورية أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي لسوريا على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، والممتد لنحو 183 كيلومتراً، حيث يرتبط هذا الساحل بالموانئ وخطوط التجارة والنقل البحري والموارد البحرية والمنشآت الاقتصادية الحيوية، ما يجعل امتلاك مؤسسة بحرية قادرة على حماية المياه الإقليمية وتأمين المصالح الوطنية جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الوطني للدولة.
ومنذ تأسيسها رسمياً في التاسع والعشرين من آب عام 1950، مرت البحرية السورية بمراحل مختلفة من البناء والتطوير، فقد بدأت بإمكانات محدودة اعتمدت في سنواتها الأولى على عدد من القطع البحرية الفرنسية، قبل أن تدخل مرحلة توسع خلال العقود اللاحقة، ولا سيما في فترة التعاون العسكري مع الاتحاد السوفييتي، حيث حصلت على زوارق صاروخية وسفن دورية وإنزال ومنظومات دفاع ساحلي، إضافة إلى غواصات من طراز Project 633 (Romeo) شكلت آنذاك إحدى أبرز قدراتها النوعية.
غير أن القوة البحرية، كما أي مؤسسة عسكرية حديثة، تحتاج إلى تحديث مستمر للمنظومات والتقنيات والكوادر، وهنا بدأت تظهر مظاهر التراجع خلال حقبة النظام البائد، نتيجة غياب برامج الإحلال والتطوير طويلة الأمد، ما أدى إلى تقادم الأسطول البحري وخروج الغواصات من الخدمة دون استبدالها بمنظومات أحدث قادرة على مواكبة التحولات التي شهدها تطور العلوم البحرية.
ومع سقوط النظام البائد وما تعرضت له بعض الأصول العسكرية من استهداف إسرائيلي أواخر عام 2024، وجدت الدولة السورية الجديدة نفسها أمام مهمة إعادة بناء القوات البحرية وفق رؤية مختلفة، لا تقوم فقط على استعادة ما كان قائماً، بل على تأسيس مؤسسة بحرية عصرية تستند إلى التخطيط العلمي والتكنولوجيا والكفاءات الوطنية.
وتشير الخطوات التي اتخذتها وزارة الدفاع خلال المرحلة الماضية إلى توجه نحو إعادة تنظيم هذه المؤسسة ورفع جاهزيتها، من خلال تنفيذ الانتشار الميداني على امتداد الساحل السوري، وتعزيز الدوريات البحرية والجوية، وتنفيذ تدريبات متقدمة للوحدات المتخصصة، إلى جانب توسيع دور القوات البحرية ليشمل مهام أمنية وإنسانية، مثل مكافحة أنشطة التهريب والمشاركة في عمليات الإغاثة ودعم مواجهة الكوارث.
وفي موازاة بناء القدرات العملياتية، برز الاهتمام بالعنصر البشري باعتباره الأساس في أي مشروع تطوير بحري، فقد أدرجت وزارة الدفاع الكلية البحرية ضمن المفاضلة العامة للكليات العسكرية، وفتحت باب التطوع للضباط وصف الضباط في اختصاصات ترتبط بالهندسة البحرية، وميكانيك وكهرباء السفن، وهي مجالات تعكس طبيعة التحول من قوة تعتمد على الخبرة التقليدية إلى مؤسسة تستند إلى العلوم التطبيقية والتقنيات الحديثة.
وتقوم فلسفة بحريات القرن الحادي والعشرين، وفق اختصاصيين، على امتلاك منظومة متكاملة لا تقتصر على القطع البحرية، بل تشمل أنظمة القيادة والسيطرة والاستطلاع والمراقبة والذكاء الاصطناعي والطائرات والزوارق غير المأهولة والأمن السيبراني، لذلك فإن بناء البحرية السورية المستقبلية يرتبط بقدرتها على الجمع بين المعدة المتطورة والإنسان المؤهل القادر على تشغيلها وتطويرها.
وفي هذا السياق، تكتسب العلاقات العسكرية والتعاون البحري أهمية خاصة بوصفها وسيلة لتبادل الخبرات والاستفادة من التجارب الدولية في التدريب والتأهيل والتقنيات البحرية، بما يدعم بناء مؤسسة بحرية حديثة تكون المعرفة والتكنولوجيا والتدريب ركائزها الأساسية، وتحول الموقع الجغرافي لسوريا على البحر المتوسط إلى قدرة وطنية تحمي المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.
الوطن – أسرة التحرير






