أكد الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية المهندس باسل كويفي في تصريح” للوطن ،”أن إطلاق أعمال اللجنة السورية–الألمانية المشتركة يمثل محطة مفصلية في مسار العلاقات السورية–الألمانية، ويعكس تحولاً نوعياً في المقاربة السياسية للطرفين، يقوم على الانتقال من إدارة تداعيات الأزمة إلى بناء شراكة مؤسسية قائمة على المصالح المشتركة والواقعية السياسية.
وأوضح كويفي أن انعقاد الدورة الافتتاحية للجنة في دمشق، برئاسة وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، ووزير الدولة في وزارة الخارجية الألمانية غيزا أندرياس فون غاير، لا يمكن النظر إليه بوصفه لقاءً دبلوماسياً اعتيادياً، بل يمثل مؤشراً على إعادة صياغة العلاقة بين دمشق وبرلين ضمن إطار مؤسسي دائم، بعد سنوات طويلة من القطيعة السياسية.
وأضاف أن هذا التطور يأتي تتويجاً لمسار دبلوماسي بدأ بإعادة افتتاح السفارة الألمانية في دمشق، وزيارة الرئيس أحمد الشرع إلى برلين، وهو ما يعكس انتقال العلاقة من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة إدارة المصالح.
المحرك الأساسي للتقارب
يرى كويفي أن العلاقات الدولية تدخل اليوم مرحلة جديدة تحكمها البراغماتية أكثر من الاعتبارات الأيديولوجية، وهو ما ينطبق على العلاقة بين سوريا وألمانيا.
فمن الجانب الألماني، لم يعد استمرار الأزمة السورية خياراً منخفض الكلفة، في ظل استضافة ألمانيا أكثر من مليون لاجئ سوري، وما يفرضه ذلك من أعباء اقتصادية واجتماعية وسياسية. لذلك، تتجه برلين نحو دعم مشاريع التعافي المبكر وتحسين الواقع الاقتصادي والخدمي داخل سوريا، بما يهيئ الظروف لعودة طوعية وآمنة للاجئين، بالتوازي مع فتح المجال أمام الشركات الألمانية للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، ولا سيما في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والنقل.
أما بالنسبة لسوريا، فإن اللجنة تمثل فرصة استراتيجية لتعزيز انفتاحها الدبلوماسي، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، والاستفادة من الخبرات الألمانية في إعادة تأهيل القطاعات الحيوية، بما يسهم في دعم عملية التعافي الاقتصادي.
ويؤكد كويفي أن العلاقة بين الجانبين أصبحت تقوم على تلاقي المصالح لا تطابق المواقف، وهي معادلة أصبحت تحكم كثيراً من العلاقات الدولية في مرحلة ما بعد الأزمات.
الانتقال من الدبلوماسية التقليدية إلى العمل المؤسسي:
ويشير كويفي إلى أن أهمية اللجنة لا تكمن فقط في انعقادها، وإنما في كونها تؤسس لإطار مؤسسي دائم للحوار والتنسيق، بعيداً عن اللقاءات البروتوكولية العابرة.
فوجود فرق عمل متخصصة وآليات متابعة دورية من شأنه أن يحول التفاهمات السياسية إلى برامج تنفيذية قابلة للقياس، وهو ما يمنح العلاقة الثنائية قدراً أكبر من الاستقرار والاستمرارية.
وبرأيه، فإن نجاح اللجنة سيقاس بقدرتها على الانتقال من إصدار البيانات إلى تنفيذ المشاريع، ومن الحوار السياسي إلى تحقيق نتائج اقتصادية ملموسة.
الاقتصاد… الاختبار الحقيقي للشراكة
ويرى كويفي أن المواطن السوري لن يقيس نجاح اللجنة بعدد الاجتماعات أو الاتفاقيات، بل بمدى انعكاسها على حياته اليومية.
فالرهان الحقيقي يتمثل في تحسين التغذية الكهربائية، وخلق فرص عمل، وتحريك عجلة الإنتاج، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وجذب الاستثمارات القادرة على تنشيط الاقتصاد الوطني.
ومن هنا، فإن نجاح الشراكة السورية–الألمانية سيبدأ من الاقتصاد، لأن التنمية ستكون المؤشر الأكثر وضوحاً على جدية هذا التقارب.
التحديات… بين الطموح والواقع
وفي المقابل، يؤكد كويفي أن الطريق ما يزال مليئاً بالتحديات، وفي مقدمتها استمرار بعض العقوبات والقيود المالية، والحاجة إلى تطوير البيئة التشريعية والاستثمارية، بما يعزز ثقة المستثمرين ويضمن حماية رؤوس الأموال الأجنبية.
كما أن ملفات العدالة الانتقالية، والمفقودين، وعودة اللاجئين، ستظل جزءاً أساسياً من الحوار مع الجانب الألماني، الأمر الذي يتطلب إدارة متوازنة لهذه الملفات بما يحافظ على زخم التعاون ويعزز فرص نجاحه.
هل تصبح برلين بوابة أوروبا إلى دمشق؟
ويعتقد كويفي أن أهمية هذا التقارب تتجاوز العلاقات الثنائية، إذ قد يشكل نموذجاً يمكن أن تحتذي به دول أوروبية أخرى في حال أثبت نجاحه.
فألمانيا تمتلك ثقلاً سياسياً واقتصادياً داخل الاتحاد الأوروبي، وأي تقدم في علاقاتها مع سوريا قد يشجع عدداً من العواصم الأوروبية على تبني مقاربة أكثر انفتاحاً، تقوم على الشراكة التدريجية بدلاً من سياسة العزلة.
قراءة استشرافية
ويرجح كويفي أن المرحلة المقبلة لن تشهد تطبيعاً سياسياً شاملاً بالمعنى التقليدي، بل ستتجه نحو بناء شراكة وظيفية تدريجية تركز على الاقتصاد والطاقة وإعادة الإعمار، مع استمرار الحوار حول الملفات السياسية والإنسانية.
ويضيف أن نجاح هذه التجربة سيعتمد على سرعة تنفيذ المشاريع، وتشكيل فرق عمل قطاعية، والاستفادة من الكفاءات السورية في الاغتراب، ولا سيما في ألمانيا، باعتبارها جسراً لنقل التكنولوجيا والخبرات والاستثمارات إلى الداخل السوري.
وخلص كويفي بالقول إن تأسيس اللجنة السورية–الألمانية المشتركة ليس نهاية مسار دبلوماسي، بل بداية مرحلة جديدة ستختبر قدرة الطرفين على تحويل التقارب السياسي إلى شراكة تنموية حقيقية.
ويؤكد أن مستقبل هذه العلاقة لن تحدده البيانات المشتركة، وإنما سرعة الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ، ومن التفاهمات السياسية إلى مشاريع تنموية يشعر المواطن السوري بنتائجها بصورة مباشرة. فإذا نجح هذا المسار، فقد تمثل اللجنة نموذجاً جديداً للعلاقات السورية–الأوروبية، عنوانه “الشراكة القائمة على المصالح المشتركة والتنمية المستدامة، لا على إدارة الأزمات فقط.”






