مع وصول كميات استلام محصول القمح للموسم الحالي إلى نسب جيّدة، يبرز ملف إدارة السيولة الناتجة عن هذا الموسم كأحد التحديات الاقتصادية المهمة، في ظل حاجة الاقتصاد السوري إلى توجيه الموارد المتاحة نحو الإنتاج والاستثمار بدلاً من بقائها ضمن دوائر الاستهلاك أو المضاربة.
ويرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم قوشجي أن هذه السيولة يمكن أن تتحوّل إلى فرصة لإعادة تنشيط الاقتصاد وتعزيز الإنتاجية، إذا جرى توظيفها ضمن رؤية اقتصادية قادرة على دعم سعر الصرف والنمو خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح قوشجي أن إعلان المؤسسة السورية للحبوب، وقد حددت المؤسسة سعر الشراء بـ 5,500 ليرة سورية للكيلوغرام، يعني أن قيمة المحصول الإجمالية تبلغ نحو 12.1 تريليون ليرة ( ما يعادل 121 مليار ليرة)، سيتم ضخّها مباشرة في أيدي المزارعين والتجّار.

وقال: إن السؤال الجوهري في الاقتصاد السوري اليوم لم يعد كيف نواجه انهيار سعر الصرف؟
بل أصبح: كيف نعيد تشكيل بنية الاقتصاد بحيث يتحوّل سعر الصرف إلى انعكاس للقوة الإنتاجية، لا إلى مرآة للضعف البنيوي؟
ويرى قوشجي أن هذه النقلة في التفكير تتطلب النظر إلى السيولة الكبيرة التي ستدخل السوق، والبالغة 12.1 تريليون ليرة سورية قيمة محصول القمح، ليس بوصفها تهديداً، بل باعتبارها فرصة تاريخية يمكن أن تغيّر مسار الاقتصاد خلال خمس سنوات، إذا تم توجيهها نحو الاستثمار الإنتاجي بدلاً من الهروب نحو الدولار.
وأضاف: إن هذه السيولة يمكن استغلالها لإعادة تشكيل سعر الصرف، وهيكل الإيرادات الحكومية، والناتج المحلي الإجمالي ضمن سيناريو اقتصادي بنّاء.
السيولة البنّاءة وإعادة تشكيل سعر الصرف
يشير الخبير المصرفي إلى أن سعر الصرف ليس رقماً تقنياً فقط، بل هو مؤشر مركّب يعكس صحة الاقتصاد، وتوازن العرض والطلب على العملة، ومستوى الإنتاج، وعمق الأسواق، وعندما تتحوّل السيولة من مسارها الهدّام إلى مسار بنّاء، يبدأ سعر الصرف بالتحرّك وفق ديناميكية مختلفة تماماً.
وأوضح أن المرحلة الأولى تتمثّل في كبح الطلب على الدولار، فعندما تُوجَّه السيولة نحو مشاريع صغيرة ومتوسطة، ينخفض الطلب على الدولار مباشرة، وبدلاً من أن يلجأ المزارع أو التاجر إلى شراء 10 آلاف دولار لحماية مدّخراته، سيتجه إلى شراء المعدّات والمواد الأولية والتراخيص والعمالة، وهذا التحوّل وحده قادر على خفض الطلب على الدولار بنسبة 10 إلى 15 بالمئة في السنة الأولى، وهو انخفاض ناتج عن تغيير السلوك الاقتصادي وليس عن تدخّل نقدي.
وفي السنة الثانية، تبدأ هذه المشاريع الصغيرة والمتوسطة بخلق طلب جديد على الليرة السورية، إذ تحتاج إلى أجور وخدمات ومواد محلية، كما تُدفع الضرائب والرسوم، وجميعها تتم بالليرة، ما يخلق طلباً حقيقياً على العملة الوطنية ويعيد جزءاً من وظيفتها كوسيط للتبادل بدلاً من أن تكون مجرد مخزن هش للقيمة.
أما في السنة الثالثة، فيبدأ دخول الدولار المنتج، فمع انطلاق التصنيع الغذائي والتصدير، يدخل الدولار عبر صادرات البرغل ومنتجات القمح والأعلاف والمشتقات الغذائية والمنتجات المعبّأة وغيرها، وهذا الدولار يختلف جذرياً عن الدولار المضارب، لأنه يستقر في السوق ولا يهرب، ويخلق توازناً نقدياً مستداماً.
وفي السنة الرابعة، ينعكس ذلك على مزاج المستثمرين، فعندما يرى المستثمر أن المشاريع الصغيرة تحقّق أرباحاً، وأن الليرة أكثر استقراراً، وأن الدولار المنتج يتدفق، وأن الطلب على العملة الوطنية يرتفع، فإنه يبدأ ببيع جزء من مدّخراته بالدولار لتمويل توسّع أعماله، ما يخلق عرضاً جديداً للدولار في السوق، وينقل حركة سعر الصرف لأول مرة بفعل قوة اقتصادية حقيقية وليس بفعل إجراءات إسعافية.
وفي السنة الخامسة، يبدأ الاقتصاد بالوصول إلى استقرار نقدي حقيقي، عندما تتوازن السيولة البنّاءة والدولار المنتج مع الطلب على الليرة، وينخفض الاستيراد، ليبدأ سعر الصرف بالاستقرار ليس عبر تدخّلات مؤقتة، بل عبر قوة اقتصادية قائمة على الإنتاج والتصدير وتراكم رأس المال.
إعادة تشكيل هيكل الإيرادات الحكومية
يرى قوشجي أن هيكل الإيرادات الحكومية يمكن أن يشهد تحوّلاً مهماً في حال توجيه هذه السيولة نحو النشاط الإنتاجي، فالدولة تعتمد حالياً على الرسوم والضرائب والموارد الحكومية التقليدية، لكن السيناريو البنّاء يمكن أن يغيّر هذه المعادلة.
وأوضح أن إطلاق 30 ألف مشروع صغير يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع الإيرادات الضريبية بنسبة 20 إلى 25 بالمئة خلال ثلاث سنوات، وهي زيادة ناتجة عن توسّع القاعدة الضريبية وليس عن رفع معدلات الضرائب.
كما أن تحوّل الصناعات الغذائية إلى دعم القطاع الزراعي من شأنه أن يخفض فاتورة الدعم غير المنتج، ويقلل الحاجة إلى دعم الأعلاف أو المواد الأساسية، بما يُخفّف العبء عن الموازنة العامة، ويعيد توجيه الدعم نحو القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق قيمة مضافة.
رافعة للناتج المحلي
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن الاقتصاد السوري يعتمد حالياً على التجارة والخدمات والاستيراد والإنفاق الحكومي الجاري والاستثماري، إلا أن توجيه السيولة نحو الاستثمار الإنتاجي يمكن أن يعيد تشكيل هذه البنية.
وأوضح أن تسهيل الاستثمار المحلي، ولا سيما في المشاريع الصغيرة والمتوسطة، يمكن أن يؤدي إلى زيادة مساهمة الزراعة من 20 بالمئة إلى 35 بالمئة في الناتج المحلي الإجمالي، ويوفّر المواد الأولية للصناعات الغذائية، بما يخفض التكاليف الإنتاجية.
وأضاف: إن ارتفاع مساهمة الصناعة الغذائية بنسبة 10 بالمئة من خلال معامل الأعلاف والتوضيب والتعبئة سيؤدي إلى انخفاض الطلب على الدولار الأميركي، ورفع قيمة الليرة، وخفض معدل التضخم، بما ينعكس على زيادة النمو الاقتصادي وارتفاع الناتج المحلي الحقيقي.
ويؤكد قوشجي في ختام حديثه أن الاقتصاد السوري لا يعاني نقصاً في الموارد، بل سوء توجيه السيولة، مشيراً إلى أن كل تريليون ليرة يدخل السوق من دون مسار إنتاجي يمثّل ضغطاً إضافياً على الليرة، بينما كل تريليون يتم توظيفه في مشروع صغير أو متوسط يُشكّل لبنة في إعادة بناء الناتج المحلي الإجمالي، وركيزة لاستقرار سعر الصرف، ومصدراً لإيرادات حكومية مستدامة.








