لم تكن مقابلة الرئيس أحمد الشرع في جزئها الثاني مع قناة الجزيرة مجرد استعادة لسيرة شخصية أو إجابة عن أسئلة الجدل المرتبط بالماضي، بل بدت أقرب إلى وضع هذه السيرة داخل التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، وصولاً إلى اللحظة السورية الراهنة وسؤال الدولة بعد سقوط النظام البائد.
ولعل أبرز ما جاء في حديث الرئيس الشرع أنه لم يتعامل مع ماضيه باعتباره صفحة ينبغي محوها، بل مرحلة ضمن مسار طويل من التحولات الشخصية والسياسية، وبذلك نقل النقاش من ثنائية “الماضي مقابل الحاضر” إلى سؤال يتعلق بقدرة الفاعل السياسي على مراجعة تجربته وإعادة تعريف موقعه مع تغير الظروف وتحولات الواقع.
ولهذا، فإن أهمية المقابلة لا تكمن فقط فيما كشفه الرئيس عن طفولته وشبابه وسنوات الحرب والثورة، وإنما في الطريقة التي قرأ بها تلك المراحل، لم يكن هناك إنكار للماضي ولا تنصل منه، بل محاولة لوضعه ضمن سياق أوسع يفسر تشكل الشخصية السياسية.

وفي هذا السياق، تختصر عبارة “الجولاني جزء من تاريخي ولا أخجل منه” هذا المنظور، فالرئيس الشرع لا يبني صورته السياسية الحالية على محو الشخصية السابقة، وإنما على استيعابها ضمن مسار من التطورات والخبرات المتراكمة.
وهذه مسألة تتجاوز السيرة الفردية؛ فالفاعلون السياسيون لا يثبتون قدرتهم على التغيير بإنكار ما كانوا عليه، وإنما بقدرتهم على تقييم تجاربهم والتمييز بين ما تجاوزه الزمن وما يمكن البناء عليه.
وبهذا المعنى، لم يعد الاسم مجرد عنوان لمرحلة سابقة في مسار الثورة السورية، بل أصبح جزءاً من السجل السياسي لبلد شهد تحولاً جذرياً في بنيته السياسية، وهذه النقطة تفسر لماذا اتخذ الحديث عن الماضي مساحة واسعة؛ فالسيرة هنا لا تُروى لذاتها، وإنما لتفسير الطريق الذي انتهى بصاحبها إلى موقع رئاسة الدولة.
ويظهر هذا المسار بوضوح في الخط الزمني الذي رسمته المقابلة، بدءاً من صعود القومية العربية وتأثيرها في وعي جيل كامل، مروراً بالاحتلال الأميركي للعراق وما أحدثه من تحولات كبرى، ثم سنوات الحرب والمقاومة، ثم الثورة السورية وتجربة إدلب، وصولاً إلى تحرير دمشق والدولة السورية الجديدة.
وبين هذه المحطات لا تظهر الشخصية السياسية في فراغ، بل تتشكل تحت تأثير أزمات إقليمية متلاحقة وتحولات مصيرية وانهيار مشاريع وصعود أخرى.
ويكتسب حديث الرئيس الشرع عن دمشق، دلالة خاصة، فالعاصمة لم تكن بالنسبة إليه هدفاً جغرافياً فحسب، وإنما رمز للسيادة السياسية، لكن المفارقة أن الوصول إلى دمشق كان يُقاس آنذاك بميزان القوة العسكرية، بينما البقاء فيها رئيساً للدولة يخضع لميزان مختلف تماماً: قدرة المؤسسات على العمل، والاقتصاد على التعافي، والدولة على استعادة ثقة مواطنيها، والسياسة الخارجية على بناء علاقات مستقرة.
وهنا تبرز دمشق بوصفها ذاكرة وهوية ومركزاً للسيادة، وهذه الدلالة تكتسب أهميتها عند مقارنتها بالمرحلة التي كانت فيها القومية العربية الإطار السياسي الأكثر تأثيراً في المنطقة؛ إذ ارتبطت الدولة حينها بالمشروع القومي والوحدة والشعارات العابرة للحدود، قبل أن تتآكل هذه المفاهيم تحت وطأة الهزائم والانقلابات وتغول الأجهزة الأمنية وتحول الشعارات إلى أدوات لإدامة أنظمة سياسية مغلقة.
لذلك فإن إعادة قراءة تلك المرحلة لا تبدو مجرد استعادة تاريخية، بل مدخل لفهم التحول الجاري في تعريف الدولة السورية لذاتها، فالدولة الجديدة اليوم تحتاج إلى عقد سياسي ومؤسسات قادرة على تمثيل المجتمع وإدارة مصالحه.
ومن زاوية أخرى، أوضح الرئيس الشرع أن الإنسان الذي وصل إلى الرئاسة ليس شخصاً منفصلاً عن ماضيه، لكنه في الوقت نفسه ليس أسيراً له، وهذه المعادلة هي جوهر الاختبار السياسي في المرحلة الجديدة: أن يبقى الماضي جزءاً من الذاكرة، من دون أن يتحول إلى قيد على المستقبل.
لذلك، فإن السؤال الذي تتركه المقابلة لا يتعلق فقط بمن كان الرئيس أحمد الشرع، ولا بكيف تشكلت شخصية “الجولاني”، بل بما سينتجه هذا القائد وهو في موقع إدارة الدولة، دولة تتسع لجميع أبنائها، وهنا يصبح الماضي، مادة للفهم ودرساً للمستقبل، لا برنامجاً للحكم.
الوطن- أسرة التحرير








