يرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن اعتماد نظام الدفع والتحول الإلكتروني في سوريا بموجب القرار رقم 1124 لعام 2026 يمثل محطة محورية في مسار إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، ولفت إلى أن القرار يأتي في سياق أزمة سيولة حادة واقتصاد يعتمد بشكل شبه كلي على النقد، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة التنظيم الجديد على تحويل الاقتصاد السوري من اقتصاد نقدي إلى اقتصاد رقمي، والآثار الاقتصادية المترتبة على ذلك، وتحديات التوازن بين التنظيم والمنافسة.
ومن خلال التحليل الأكاديمي، يوضح محمد إمكانات هذا النظام وحدوده، بدءاً من مدى قدرته على نقل سوريا من اقتصاد النقد إلى اقتصاد المدفوعات الرقمية، وصولاً إلى أثره في الشمول المالي وحركة الأموال والاقتصاد غير المنظم، وانعكاس متطلبات الترخيص والامتثال على المنافسة.
تمهيد نحو اقتصاد المدفوعات الرقمية

يؤكد محمد أن النظام الجديد لا ينقل سوريا بصورة فورية من اقتصاد النقد إلى اقتصاد المدفوعات الرقمية، بل يمثل خطوة تمهيدية ضرورية نحو هذا التحول فالنظام يضع الأساس التنظيمي والتقني لبناء منظومة دفع وطنية حديثة، عبر ترخيص ثلاثة أنواع من الجهات، هي مقدمو خدمات الدفع، ومقدمو النقود الإلكترونية، ومشغلو الأنظمة، كما ينشئ مختبراً تنظيمياً لاختبار الحلول المبتكرة، بما يعزز بيئة الابتكار.
لكن التحول الكامل يبقى مقيداً بعاملين أساسيين، أولهما استمرار التعامل النقدي، إذ يؤكد المصرف المركزي أن النظام لا يلغي النقد ولا يفرض وسيلة دفع محددة، أما العامل الثاني فيتمثل في المعوقات الهيكلية، إذ يعاني الاقتصاد السوري من شلل في السيولة، وضعف في البنية التحتية، وانقطاع الإنترنت، وانعدام الثقة في النظام المصرفي.
وتظهر تجربة إدلب مع تطبيق شام كاش أن التحول ممكن إقليمياً، لكنه يواجه تحديات تقنية وثقافية، حيث يفضل البعض الاحتفاظ بالنقد “لأنهم يثقون بالورق النقدي أكثر”، وبالتالي، يمكن القول: إن القرار ينقل سوريا من مرحلة غياب الإطار التنظيمي للدفع الإلكتروني إلى مرحلة امتلاكه، وهو شرط أساسي، لكن التحول الفعلي إلى اقتصاد المدفوعات الرقمية سيكون تدريجياً، ويتوقف على استكمال متطلبات البنية التحتية وبناء الثقة.
تقليل التعامل النقدي وتعزيز الشمول المالي
وفي ما يتعلق بالأثر الاقتصادي للقرار، يوضح محمد أن النظام سيسهم في توفير بدائل آمنة للنقد، ما قد يقلل الطلب على السيولة في المدى الطويل لكنه في المدى القصير لن يلغي أزمة السيولة، بل قد يكشف حجم المشكلة عندما يجد المواطنون صعوبة في سحب أموالهم الرقمية نقداً، ويعد النظام في الوقت نفسه بوابة للشمول المالي، خاصة إذا ارتبط بتطبيقات سهلة الاستخدام للشرائح غير المخدومة مصرفياً ويبرز نجاح شام كاش في إدلب، والذي يخدم نحو 1.25 مليون موظف ومتقاعد، قدرة الحلول الرقمية على إدماج فئات واسعة، لكن التحدي يبقى في توسيع نطاق القبول بين التجار، وخاصة صغارهم، وضمان وصول الخدمة إلى جميع المناطق.
كفاءة أكبر في حركة الأموال
ويشير محمد إلى أن الدفع الإلكتروني سيرفع كفاءة المعاملات عبر تسريع التحويلات وتقليل التكاليف مقارنة بالنقد، إلى جانب توفير أثر رقمي يسهل عملية التخطيط إلا أن ذلك يتطلب بيئة دفع آمنة ومستقرة، وهو ما يسعى النظام إلى تحقيقه عبر متطلبات الأمن السيبراني وحماية المستخدمين.
أما الاقتصاد غير المنظم غير الرسمي ، فيرى محمد أن هذا هو التأثير الأكثر تعقيداً وجوهرية، فالدفع الإلكتروني يمكن أن يسهم في تقليص الاقتصاد غير الرسمي من خلال خلق سجلات رقمية للمعاملات، بما يعزز الشفافية والرقابة الضريبية.
لكن الأبحاث تشير إلى أن هذا التحول يجب أن يكون قائماً على الحوافز وليس المراقبة العقابية، وإلا فقد يواجه مقاومة كبيرة ويمكن القول: إن النظام يوفر الإطار، لكن تفعيله يتطلب سياسات حكومية متكاملة تحفز التجار وأصحاب الأعمال على الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي، لا أن تدفعهم إلى التهرب.
متطلبات الترخيص والمنافسة
وعن احتمال أن تؤدي زيادة متطلبات الترخيص والامتثال إلى تقليل المنافسة، يرى محمد أن هذا الاحتمال وارد بقوة، لكن النظام يتضمن آليات لموازنته، فالنظام الجديد يضع متطلبات صارمة للحوكمة وإدارة المخاطر والأمن السيبراني، وهي معايير ضرورية لضمان سلامة النظام لكن وضع هذه المعايير، وخاصة في بيئة مؤسسية هشة كالموجودة في سوريا، قد يشكل حاجز دخول مرتفعاً أمام الشركات الصغيرة والناشئة، ما يحد من المنافسة لصالح الشركات الكبرى أو المرتبطة بالسلطة.
في المقابل، يمثل المختبر التنظيمي أداة حاسمة لموازنة الأمر، إذ يسمح باختبار الحلول المبتكرة في بيئة خاضعة للرقابة من دون تحمل كامل أعباء الامتثال منذ البداية، ما يشجع الشركات الناشئة على الدخول، كما يهدف النظام صراحة إلى فتح المجال أمام المنافسة والاستثمار.
في قطاع الخدمات المالية، في حين أن السماح بالتعامل مع شركات عالمية مثل Visa وMastercard يُدخل عنصراً تنافسياً دولياً.
وبحسب محمد، سيكون التحدي الحقيقي في كيفية تطبيق معايير الامتثال فإذا طبقت بمرونة ودعمت بالمختبر التنظيمي، فقد تعزز المنافسة، أما إذا طبقت بصرامة مفرطة، فستؤدي إلى احتكار السوق من قبل القادرين على تحمل تكاليف الامتثال.
ويرى محمد، كرأي أكاديمي اقتصادي، أن تنظيم الدفع الإلكتروني في سورية هو قرار بالغ الأهمية والتوقيت، فهو يضع حجر الأساس لاقتصاد أكثر شفافية وكفاءة، ويعد خطوة ضرورية لإعادة الإعمار والاندماج في النظام المالي العالمي، ومع ذلك، يجب النظر إليه بعيداً عن الحلول السحرية، فهو أداة وليس غاية وتتركز أهميته الحقيقية في قدرته على أن يكون محفزاً للإصلاحات الهيكلية، لكن نجاحه مرتبط كلياً بعوامل خارج نطاق التنظيم ذاته، مثل استقرار الاقتصاد الكلي والسيطرة على التضخم وسعر الصرف، وتطوير البنية التحتية للاتصالات والكهرباء، وبناء الثقة بالنظام المصرفي من خلال الحوكمة ومكافحة الفساد.
ويختم محمد بالتأكيد على أن الخطر الأكبر يتمثل في تحويل هذا النظام إلى أداة مراقبة ورقابة بدلاً من كونه أداة تمكين وشمول، أو أن يتحول إلى عبء إضافي يثقل كاهل الاقتصاد غير الرسمي من دون تقديم حوافز حقيقية لتقنينه.
ويقول: إن مقياس نجاح هذا النظام سيكون مدى قدرته على تحسين حياة المواطن السوري اليومية، وتوسيع خياراته المالية، وتوفير فرص عمل جديدة، لا في عدد المعاملات الرقمية فقط. فالتحدي الأكبر ليس في إصدار القرار، بل في إرادة التنفيذ وقدرة المؤسسات على إدارة هذا التحول المعقد بمرونة وشفافية.








