المزيد

‫آخر الأخبار:‬

مدينة بـ7 مليارات دولار.. هل تغيّر قواعد التطوير العقاري في سورية؟

‫شارك على:‬
20

في مرحلة إعادة الإعمار، يقاس نجاح مشاريع التطوير العقاري بحجم الاستثمارات المعلنة أو المساحات التي ستدخل حيز البناء إضافة لقدرتها على تحقيق التوازن بين احتياجات السوق والقدرة الشرائية وتكاليف التطوير والتشغيل، وهو ما يضع المشاريع العمرانية الكبرى أمام اختبار يتجاوز البناء إلى نموذج الحياة التي ستوفرها للسكان.

خبير التقييم العقاري الدكتور أنور وردة قال لـ«الوطن» إن دخول “أرادَ” في مشروع تطوير عقاري في السوق المحلية يمثل نقلة نوعية في مفهوم التطوير العقاري الذي تحتاجه دمشق وسورية في مرحلة إعادة الإعمار، موضحاً أن ما يلفت النظر في المشروع ليس حجمه المالي فقط، وإنما طبيعته التخطيطية المتكاملة التي لم يطرحها مطور في سورية من قبل، حسبما يعلم من خلال ما هو معلن ومتداول حتى الآن.

وأشار وردة إلى أن المشروع لا يضم أبراجاً ومجمعاً سكنياً مغلقاً فقط، بل يهدف إلى تكوين مجتمع عمراني يضم نحو 11 ألف وحدة سكنية، وحديقة رئيسية تبلغ مساحتها نحو 700 ألف متر مربع، وفنادق وشققاً فندقية، ومدارس تستوعب نحو 5 آلاف طالب، ومستشفى بسعة 300 سرير، إضافة إلى المكاتب والمحال التجارية والمرافق الترفيهية والخدمات الحكومية وغيرها.

ولفت إلى أن هذا يعني أننا أمام مشروع مدينة حديثة لا تُبنى من الإسمنت وحده، وإنما من السكن والعمل والتعليم والصحة والترفيه والخدمات والمساحات العامة، وهذا هو ما يمكن أن يعطي سكانها حياة متكاملة.

مصدر التحدي الأكبر

لكن ضخامة هذا المشروع هي في الوقت نفسه مصدر التحدي الأكبر فيه، حسب وردة، فالاستثمار الضخم، والمساحة الكبيرة، والوحدات السكنية الكثيرة، لا تكفي وحدها للحكم على نجاح المشروع، خاصة في ظل عدم الاطلاع على العقود المبرمة بين “أرادَ” والجهة الحكومية، والعقود التي ستبرم بين “أرادَ” والراغبين بالشراء.

وقال: إنه إذا أجرينا قسمة حسابية أولية للأرقام المتداولة، فإن 7 مليارات دولار مقسومة على 11 ألف وحدة سكنية تعادل نحو 636 ألف دولار للوحدة، قبل احتساب الفنادق والشقق الفندقية والمكاتب والمحال التجارية والمستشفى والمدارس والحدائق والبنية التحتية وسائر مكونات المشروع.

معتبراً أن هذا الرقم لا يعني أن سعر الوحدة سيكون هكذا، لكنه يكشف ضخامة الاستثمار المطروح قياساً إلى عدد الوحدات السكنية، ويفتح الباب أمام سؤال محوري يتعلق بالجمهور المستهدف لهذا المشروع.

من المشتري المستهدف؟

يتساءل وردة: إذا كان المشروع موجهاً إلى شريحة ذات قدرة شرائية مرتفعة، وهي شريحة محدودة نسبياً، فهل يمكن بيع 11 ألف وحدة ضمن فترة زمنية تتناسب مع حجم الاستثمار؟ وهل يوجد 11 ألف ثري يريد شراء سكن في هذا المشروع؟

ويؤكد أن هذا ليس مجرد رقم في ميزانية، بل هو مخزون عقاري كبير يترتب على عدم تصريفه آثار ومخاطر مالية واستثمارية وتشغيلية ينبغي تحديدها مسبقاً، ووضع الخطط اللازمة لمعالجتها إذا ظهرت.

وفي المقابل، إذا كان المشروع يستهدف شريحة اجتماعية أوسع لكنها أقل قدرة مادية، فإن السؤال يصبح: هل تسديد الدفعات المطلوبة ممكن في ظل التمويل المصرفي الغائب حتى الآن؟

ثلاثة عناصر تحدد النجاح

ومن منظور عقاري بحت، يرى وردة أن نجاح مشروع بهذا الحجم يتحدد بالتوازن بين ثلاثة عناصر، هي القدرة الشرائية للسوق، وكلفة التطوير، وكلفة التشغيل طويلة الأجل.

ويرى أن ذلك يفتح الباب أمام مجموعة من الأسئلة المتعلقة بالمشروع، وفي مقدمتها المدة الزمنية التي سيتم تنفيذ المشروع فيها، وآلية تسعير الوحدات السكنية والفندقية والمساحات التجارية وغيرها، والسعر المتوقع للمتر المربع لكل منها، إضافة إلى خطة الدفع وضمانات التنفيذ والتسليم.

كما يطرح سؤالاً حول ما سيحدث إذا لم تُبع الوحدات بالسرعة المخططة، ومن سيتحمل مخاطر ضعف السوق، وما إذا كان المشروع سيتم إنشاؤه بالكامل حتى لو تعرض الطلب عليه إلى فتور وركود، أم سيتم تنفيذه على مراحل مرتبطة بمستويات الطلب والمبيعات.

كيف ستُحتسب المساحات؟

ويعتبر وردة أن هناك سؤالاً بالغ الأهمية يتعلق بكيفية احتساب المساحات، وما إذا كان السعر الذي سيطرح هو سعر المساحة الصافية، أم ستضاف إليها حصص من المساحات والمرافق المشتركة، وما هي نسبة هذا إلى ذاك.

ويشدد على أن الشفافية في التسعير شرط من شروط نجاح المشروع، وأن التسويق الإبهاري وحده لا يكفي، فالإبهار قد يبيع المشروع، لكنه لا يضمن نجاحه.

كلفة التملك لا تتوقف عند ثمن

ويطرح وردة سؤالاً آخر يتعلق بمن سيدفع كلفة تشغيل وصيانة المشروع بعد إنجاز بنائه، وما إذا كانت هذه الكلفة ثابتة أم قابلة للزيادة مع الزمن.

فالحدائق والطرق والأمن والمرافق المشتركة، كالمسابح والمناطق الترفيهية، والأبنية والخدمات الفنية والمساحات العامة، كلها تحتاج إلى إنفاق مستمر لتبقى جاهزة وصالحة للاستعمال ومحتفظة ببهائها.

ويؤكد أن كلفة التملك لا تتوقف عند ثمن الشقة، بل تشمل أيضاً الكلفة الدورية للحفاظ على مستوى الخدمات وجودتها واستدامتها، وفي مشروع بهذا الحجم، فإن رسوم الإدارة والصيانة والخدمات ليست تفصيلاً ثانوياً عابراً، وإنما ينبغي أن تكون واضحة منذ البداية.

وهناك نقطة مهمة أخرى، بحسب وردة، تتعلق بكيفية التعامل مع المشتري الذي يريد الانسحاب من المشروع قبل إتمام إنجازه، أو مع الذي يريد أن يبيع ما اشتراه في إحدى مراحل التنفيذ أو بعد التملك، وما الكلفة أو القيود المترتبة على ذلك؟

أربعة مستويات للشفافية

ومن هنا، يرى وردة أن نجاح المشروع يحتاج إلى أربعة مستويات من الشفافية، تبدأ بشفافية في التطوير، بحيث يكون واضحاً ماذا سيُبنى، ومتى، وعلى أي مراحل.

وتشمل كذلك شفافية في التملك، بحيث يعرف المواطن ما الذي يشتريه فعلياً، وكيف تُحسب المساحة، وما حقوقه في المرافق المشتركة، إلى جانب شفافية في التشغيل، تتعلق بكلفة إدارة وصيانة المجتمع العمراني بعد السكن فيه، ومن سيديرها، وكيف ستُحتسب، أما المستوى الرابع فيتعلق بالشفافية عند الرغبة في التخارج.

ويرى وردة أنه إذا نجحت إدارة المشروع في الإجابة عن هذه الأسئلة، فإنه يمكن أن يصبح نموذجاً جديداً للتطوير الحضري في سورية، خصوصاً أن الحديث يجري أيضاً عن تحديد مواقع إضافية للتطوير في مناطق أخرى من البلاد.

وختم وردة بالقول إن المشروع كبير بما يكفي ليكون علامة فارقة، ولذلك يجب أن تكون معايير نجاحه كبيرة بالقدر نفسه، فالمشاريع الناجحة لا تُقاس بعدد الأمتار المبنية فقط، وإنما بما تقدمه للسكان كل يوم، بعد أن تنتهي الكاميرات وتُسلَّم المفاتيح وتبدأ الحياة.