لم تعد المسألة بالنسبة لسوريا مجرد الاستفادة من تجربة حكومية ناجحة في دولة عربية أخرى، بقدر ما أصبحت مرتبطة بسؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن تحويل التكنولوجيا من أدوات منفصلة إلى طريقة جديدة في إدارة الدولة وتقديم الخدمات للمواطن؟
فبعد عدة أيام على زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى دولة الإمارات واطلاعه على منظومة العمل الحكومي هناك، تبدو أهمية التجربة الإماراتية بالنسبة لسوريا في المنهجية أكثر من التكنولوجيا نفسها. فقد تناول اللقاء مع وزير شؤون مجلس الوزراء الإماراتي محمد القرقاوي وعدد من الوزراء والقيادات الحكومية تطوير الأداء المؤسسي، ورفع الكفاءة، وتسريع الإنجاز، وتصميم الخدمات، وقياس الأداء، إلى جانب توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
الخدمة أولاً.. ثم الرقمنة
يرى عميد كلية المعلوماتية في جامعة إدلب الدكتور مصعب الشبيب، في تصريح لـ«الوطن»، أن الاستفادة من التجربة الإماراتية لا ينبغي أن تقوم على نسخ نموذج جاهز، وإنما على فهم طريقة بناء الخدمات الحكومية وإعادة تصميمها بما يجعل المواطن محور العملية.
وحسب الشبيب، فإن التحول الرقمي الحقيقي يبدأ من تبسيط الإجراءات وإعادة هندسة العمليات الحكومية، ثم الانتقال إلى رقمنتها وربط الجهات المعنية بها، بحيث لا يبقى المواطن مضطراً إلى مراجعة عدة مؤسسات للحصول على خدمة واحدة أو تقديم الوثيقة نفسها أكثر من مرة.
وتبرز هنا خدمات تمس حياة المواطن بصورة مباشرة، مثل السجل المدني والوثائق الرسمية والضرائب والتراخيص، إضافة إلى الخدمات التعليمية والصحية، كمساحات يمكن أن تبدأ منها عملية التحول، بالتوازي مع بناء قواعد بيانات مترابطة وهوية رقمية موثوقة، وصولاً إلى منصة حكومية موحدة.
من إنجاز المعاملة إلى قياس الأداء
لكن الرقمنة وحدها لا تعني بالضرورة حكومة أكثر كفاءة. فالمشكلة قد تنتقل ببساطة من الطابور أمام الدائرة الحكومية إلى منصة إلكترونية إذا بقيت الإجراءات نفسها دون تغيير.
وهنا تبرز أهمية ما يمكن نقله من التجربة الإماراتية في إدارة الأداء، بحيث تكون لكل خدمة مدة إنجاز محددة، ومؤشرات واضحة لقياس كفاءة الجهة المسؤولة عنها، مع إمكانية متابعة تنفيذ القرارات وتقييم النتائج بصورة دورية. وتقوم التجربة الإماراتية في جانب منها على تطوير الخدمات وقياس الأداء والاستثمار في التكنولوجيا وبناء قدرات حكومية أكثر استعداداً للمستقبل.
الذكاء الاصطناعي.. بعد بناء القاعدة
أما الذكاء الاصطناعي، فيمكن أن يمثل مرحلة لاحقة في هذا المسار، وليس بديلاً عن بناء البنية الرقمية الأساسية. ويمكن البدء بتطبيقات بسيطة نسبياً، كالمساعدات الرقمية وخدمات الاستعلام وتحليل البيانات، قبل الانتقال إلى استخدامات أكثر تقدماً في تحليل السياسات ودعم اتخاذ القرار.
ويشير الشبيب إلى أن نجاح هذا التحول يرتبط بوجود بنية تحتية رقمية مناسبة، وتكامل قواعد البيانات، وتأهيل الكوادر البشرية، إلى جانب تشريعات واضحة تنظم الهوية الرقمية والمعاملات الإلكترونية وحماية البيانات.
وبذلك، فإن التحدي أمام سوريا لا يتعلق بشراء أنظمة وبرمجيات بقدر ما يتعلق بإعادة بناء طريقة تقديم الخدمة الحكومية نفسها. فالتكنولوجيا قد تختصر الوقت، لكنها لا تستطيع وحدها إلغاء إجراء غير ضروري أو معالجة قاعدة بيانات غير مترابطة.
ومن هنا يمكن أن تأخذ الشراكة السورية – الإماراتية بعداً عملياً يتجاوز تبادل الزيارات والخبرات، عبر برامج تدريب ونقل معرفة ومشاريع تجريبية محددة، تبدأ بخدمة حكومية واحدة يمكن قياس نتائج تطويرها، ثم تتوسع تدريجياً.
فالاختبار الحقيقي لأي تحول رقمي حكومي لن يكون بعدد المنصات والتطبيقات التي تطلق، وإنما بعدد المرات التي يستطيع فيها المواطن إنجاز معاملته من دون أن يضطر إلى مراجعة الدائرة نفسها أكثر من مرة.

عبد الهادي شباط
الوطن -
مواضيع:
المزيد





