يرى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد أن زيارة الرئيس الشرع إلى نيويورك تشكل تتويجاً لمرحلة انتقالية في العلاقات السورية-الأميركية، انتقلت فيها دمشق من معركة رفع العقوبات إلى بناء الشراكات الاقتصادية وتثبيت الاندماج في النظام المالي العالمي، إذ إنه وبعد إلغاء تصنيف سورية دولة راعية للإرهاب في آب 2026، لم يعد السؤال الاقتصادي المركزي هل تُرفع العقوبات، بل ما الذي يعوق عملياً عودة المصارف والشركات الدولية؟
من العقوبات إلى الامتثال
يقول محمد، إن المشكلة لم تعد في العقوبات كمظلة قانونية شاملة، بل انتقلت إلى مخاطر الامتثال وتحديات البنية التحتية المصرفية، فعلى الرغم من رفع التصنيف، تبقى قيود فنية لم تُحل بعد، إذ إن وزارة التجارة الأميركية لم تُعدّل تصنيف سورية في لوائح EAR لإخراجها من المجموعة 1 إلى فئة أكثر مرونة، ما يبقي قيوداً على التشفير والتقنيات السحابية وتجهيزات الشبكات.
والأهم أن المصارف المراسلة الدولية لا تتعامل مع رفع التصنيف كإشارة كافية، بل تحتاج إلى ضمانات امتثال ملموسة، تشمل أنظمة محدثة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وبيانات شفافية، وقواعد واضحة من المصرف المركزي السوري.
ويشدد محمد على أن القرار السياسي وحده لا يكفي، بل يجب أن يصل أثره إلى مسؤولي الامتثال في المصارف الأجنبية وشركات التأمين والمصدرين.
كما تبرز عقبات التحويلات والضمانات المصرفية، إذ يحتاج المستثمرون إلى آليات مؤكدة لتحويل الأموال وإعادة الأرباح، وخطابات ضمان وتمويل تجاري، وهي أدوات لا تعمل بكفاءة من دون شبكة مراسلة فعالة.
إعادة ربط المصارف
ويرى محمد أن الانفتاح الأميركي أزال العائق القانوني الأكبر، لكن استعادة علاقات المراسلة تتطلب شروطاً تشغيلية وفنية.
ويشير إلى أن رفع التصنيف أزال الحاجز الذي كان يمنع المصارف السورية فعلياً من الوصول إلى نظام “سويفت” وتدفق الأموال عبره.
وفي المقابل، تحتاج البنية المصرفية والتقنية إلى التطوير، عبر تحديث أنظمة الدفع الإلكتروني، وتأمين الأمن السيبراني، والتشبيك الإلكتروني بين المصارف الخاصة، إضافة إلى معايير EMV وتوكنة البطاقات.
كما يمثل الامتثال التنظيمي شرطاً أساسياً، إذ تطلب المصارف الدولية أنظمة محدثة لمكافحة غسل الأموال، وشفافية في البيانات المالية، وتأكيدات تنظيمية من المصرف المركزي، كذلك تعد تشريعات حماية البيانات الشخصية والملكية الفكرية والهوية الرقمية وقوانين مكافحة غسل الأموال شروطاً ما قبل مصرفية لدخول المنصات والشركات العالمية.
ويعتبر محمد أن الخطوة الأكثر رمزية وعملية حتى الآن تمثلت في إتمام أول عملية دفع دولي ببطاقة “فيزا” في سورية في آب 2026، وعودة “ماستركارد” إلى الشبكة السورية، معتبراً أن هذه مؤشرات على بدء الربط فعلياً، وإن كان بصورة تدريجية تحتاج إلى استكمال البنية المصرفية.
شركات الدفع
وبشأن إمكانية دخول شركات مالية وخدمات دفع أميركية إلى السوق السورية، يقول محمد، إن المؤشرات تدعم دخولاً تدريجياً، لافتاً إلى أن “فيزا” و”ماستركارد” اختبرتا بالفعل عمليات دولية، وبدأت تطبيقات فائقة مثل My Syria وLabby العمل ضمن منظومة الدفع الدولية.
كما أصدر المصرف المركزي السوري قراراً في أيار 2026 يسمح للمؤسسات المالية وشركات الدفع الإلكتروني بالتعامل مع أنظمة الدفع العالمية.
ويشير إلى أن الانعكاسات ستظهر في الدفع الإلكتروني، مع قفزة في قابلية الاستخدام التجاري والانتقال من اقتصاد نقدي إلى مدفوعات رقمية، مع دخول بطاقات ائتمان قابلة للاستخدام دولياً بصورة تدريجية.
وعلى مستوى التجارة الخارجية، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تخفيض تكلفة المعاملات، وإتاحة خطابات الاعتماد والتمويل التجاري، وربط المصدرين السوريين بسلاسل الدفع العالمية.
كما ستسهم المصارف المراسلة في تسهيل تحويلات السوريين الرسمية بدلاً من القنوات غير الرسمية، مع تكلفة أقل وشفافية أعلى.
أما وجود شركات أميركية، فيمكن أن يبعث رسالة اطمئنان للمستثمرين الأوروبيين والخليجيين، إلا أن دخول الاستثمار الفعلي يبقى مشروطاً بوضوح القوانين، واستقرار سعر الصرف، وحماية الملكية وإعادة الأرباح.
الانفتاح يفتح الباب
وفي رأيه الأكاديمي، يعتبر محمد أن الانفتاح الأميركي على سورية يمثل نقلة قانونية-سياسية بالغة الأهمية، لكنه ليس زر تشغيل اقتصادياً. فالمشكلة الاقتصادية السورية اليوم لم تعد فقط: هل نحن خارج العقوبات؟ بل: هل نحن قادرون على استيعاب العودة؟
ويشير إلى أن البنية المصرفية السورية، بعد عقود من العزلة، تحتاج إلى إصلاح مؤسسي وتقني وبشري لا يقل تعقيداً عن رفع العقوبات نفسه.
ويخلص إلى أن النجاح مرهون بثلاثية تتمثل في امتثال حقيقي يبني ثقة المصارف الدولية واستقراراً قانونياً وتشريعياً يجذب رأس المال، وبنية دفع حديثة تعيد سورية إلى خريطة المدفوعات الرقمية.
ويؤكد أن الزيارة تفتح الباب، لكن من سيعبره فعلياً هم المصرفيون والمنظمون والمستثمرون، لا الدبلوماسيون وحدهم.









