في خطابه أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وضع الرئيس أحمد الشرع قضية الجولان في سياق يتجاوز حدود ملف جغرافي مؤجل، فقد ربطها بمفهوم الثوابت الوطنية السورية، مؤكداً أن التحولات التي تشهدها البلاد لا تعني التخلي عن القضايا المرتبطة بسيادتها، بل إعادة طرحها من موقع يستند إلى “القانون وإرادة الشعب”.
الرئيس الشرع قال، بوضوح: “الجولان سيبقى أرضاً سورية، وأن جميع إجراءات الضم باطلة وملغاة بقوة قرار مجلس الأمن رقم 497″، ويستند هذا الموقف إلى قرار مجلس الأمن رقم 497 الصادر عام 1981، والذي اعتبر فرض إسرائيل قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل باطلاً ولاغياً ولا أثر قانونياً دولياً له.
وربما اللافت في خطاب الرئيس الشرع أن الجولان لم يظهر قضية منفصلة عن صورة سوريا التي أراد تقديمها أمام العالم، فبعد سنوات الحرب والانقسام والعزلة، يطرح فكرة أن استعادة الدولة لعافيتها لا تقتصر على إعادة بناء المؤسسات أو استعادة العلاقات الخارجية، وإنما تشمل أيضاً الحفاظ على الحقوق السيادية الثابتة.
وانعكس ذلك عندما قال الرئيس الشرع: “الثوابت الوطنية السورية تزداد اليوم رسوخاً بقوة القانون وإرادة الشعب”، وهي عبارة تجمع بين مرجعيتين، الأولى قانونية، عبر الاستناد إلى القرارات الدولية، والثانية وطنية، من خلال ربط الموقف بإرادة السوريين، وبذلك يبدو أن الخطاب ينقل قضية الجولان من كونها موقفاً سياسياً تتبناه الحكومات إلى قضية مرتبطة بمفهوم الدولة وحقوقها التي لا تتبدل بتغير الظروف.
وفي السياق ذاته، جدد الرئيس الشرع التأكيد على التزام سوريا باتفاق عام 1974، ودعا إلى انسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط الثامن من كانون الأول 2024، كما تحدث عن مئات الغارات والتوغلات والاعتقالات التي تستهدف الأراضي السورية، معتبراً أن استمرارها يهدد الاستقرار ويخالف الاتجاه الدولي نحو احترام سيادة الدول.
مصادر سياسية متابعة رأت أن هذه الرسالة تحمل معنى واضحاً، وهو أن الانفتاح السوري على العالم لا يعني تخفيف التمسك بقضايا السيادة، فسوريا التي تحدث الرئيس الشرع عن خروجها من الحرب وبدء مرحلة التعافي تريد أن تظهر أمام المجتمع الدولي دولة تسعى إلى بناء علاقات جديدة، من دون أن تعيد رسم مواقفها الأساسية تحت ضغط التحولات.
ونتيجة لما تقدم، فقد جاء حضور الجولان في خطاب الرئيس الشرع جزءاً من رسالة أوسع مفادها ان سوريا تتغير، لكنها تريد أن تقول إن تغير المرحلة لا يعني تغير الثوابت، وإن طريق التعافي وإعادة بناء الدولة يمكن أن يسير بالتوازي مع التمسك بالحقوق الوطنية الراسخة.
أسرة التحرير








