في الدبلوماسية، ليست كل الرسائل بحاجة إلى كلمات، وليست كل المواجهات بحاجة إلى خطابات مضادة. أحياناً تتحول المقاعد الفارغة إلى وسيلة احتجاج أشد وضوحاً من البيانات المطوّلة، وهذا ما شهدته الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 24 سبتمبر/أيلول، عندما انسحبت عشرات الوفود مع بدء كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وسط صيحات استهجان وتصفيق من مؤيديه، في مشهد دفع رئيس الجلسة إلى المطالبة مراراً بإعادة النظام.
يفتح هذا المشهد باباً لقراءة تتجاوز الاحتجاج على السياسة الإسرائيلية إلى ما يمكن وصفه بالإهانة الدبلوماسية الرمزية. فالانسحاب جاء متزامناً مع صعود نتنياهو إلى المنصة، وفي حضور كاميرات العالم، لا بعد خلاف تفصيلي مع مضمون كلمته. وبهذاالمعنى، لم يكن الاعتراض موجهاً إلى عبارة بعينها، بل إلى مجمل السياسات التي جاء للدفاع عنها.
إنها مفارقة تستحق التأمل: المنبر الذي يُفترض أن يمنح قادة الدول فرصة لمخاطبة المجتمع الدولي، تحوّل في تلك اللحظة إلى مساحة كشفت حجم الاعتراض على المتحدث نفسه.
تقوم الدبلوماسية على تقليد راسخ، هو الاستماع حتى إلى الخصوم. يجلس ممثلو الدول المتنازعة تحت سقف واحد، ويحتفظ كل منهم بحقه في الرد أو الاعتراض. أما مغادرة القاعة لحظة بدء الخطاب، فتحمل معنى مختلفاً؛ إنها رفض المشاركة في الطقوس المعتادة التي تمنح الخطاب الرسمي جمهوره ومكانته.
كانت للمقاطعة، هذه المرة، مقدمات منظّمة. فقد وجّه الوفد الفلسطيني مذكرة دعا فيها بعثات أخرى إلى المشاركة في الانسحاب، وما إن صعد نتنياهو إلى المنصة حتى غادر عشرات المندوبين، بينما بقي آخرون، ووقف أعضاء من الوفد الإسرائيلي ومؤيدوه للتصفيق.
هذا التباين مهم لفهم المشهد. فهو لا يعبّر عن إجماع دولي، لكنه يكشف انتقال الخلاف من التصريحات المتبادلة إلى مواجهة علنيةداخل إحدى أبرز المؤسسات الدولية.
ولم يكن انسحاب 2026 حادثة منفصلة؛ فقد شهد خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة في سبتمبر/أيلول 2025 انسحاباً واسعاً أيضاً، بالتزامن مع اعتراضات دولية على حرب غزة وعلى رفضه الاعتراف بالدولة الفلسطينية. إن تكرار المشهد في عامين متتاليين يمنح المقاطعة دلالة أعمق من كونها رد فعل ظرفياً.
لكن تكرار الاحتجاج يكشف كذلك سؤالاً لا يمكن تجاهله: هل انتقلت المعارضة الدبلوماسية إلى تغيير فعلي في السياسات الدولية تجاه إسرائيل، أم إنها ما زالت تتقدم على مستوى الرموز أسرع مما تتقدم على مستوى القرارات؟
جاء نتنياهو إلى الأمم المتحدة بخطاب يدافع فيه عن العمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، بما فيها الحرب على غزة والهجمات على إيران. وواجه الانسحاب بوصف المشاركين فيه بأنهم “جبناء أخلاقياً”، مؤكداً أن إسرائيل تدافع عن نفسها وعن دول أخرى، بينها دول غادر ممثلوها القاعة.
تكشف هذه المواجهة عن مستويين متوازيين من القوة والنفوذ. الأول عسكري وأمني، تستند فيه الحكومة الإسرائيلية إلى قدراتها وتحالفاتها، وعلى رأسها علاقتها بالولايات المتحدة. والثاني دبلوماسي وقانوني، تواجه فيه اعتراضات على عملياتها العسكرية وعلى ما ترتّب عليها من خسائر بشرية ودمار في غزة.
ولا يقتصر هذا المستوى الثاني على بيانات الإدانة؛ فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرة توقيف بحق نتنياهو، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وترفض إسرائيل تلك الاتهامات، كما تعارض الولايات المتحدة إجراءات المحكمة ضد المسؤولين الإسرائيليين. ويظل صدور مذكرة توقيف إجراءً قضائياً لا يمثل إدانة نهائية.
هنا تظهر إحدى المفارقات الرئيسية في المشهد الدولي: وجود اعتراضات سياسية وإجراءات قضائية لا يعني بالضرورة امتلاك المؤسسات الدولية القدرة على فرض نتائجها. كما أن استمرار الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل لا يمنع ظهور خلافات علنية معها داخل الأمم المتحدة.
ومن ثم، فإن صورة نتنياهو أمام المقاعد الفارغة لا تحكي القصةكاملة، لكنها تختصر جانباً مهماً منها: اتساع الفجوة بين القدرة على مواصلة العمليات العسكرية والقدرة على حشد التأييد الدبلوماسي لها.
من المنظور السوري، تتخذ أحداث الجمعية العامة بعداً إضافياً بسبب التزامن بين خطاب نتنياهو وكلمة فخامة الرئيس أحمد الشرع في اليوم السابق.
ففي 23 سبتمبر/أيلول، أكد الشرع أمام الأمم المتحدة أن الجولان سيبقى أرضاً سورية، وطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول2024، كما أكد تمسك دمشق باتفاق فض الاشتباك الموقّع عام 1974، وطرح إمكانية التوصل إلى سلام يحفظ حقوق الأطراف.
وفي المقابل، جدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تمسّك حكومته بالجولان وبالوجود العسكري الإسرائيلي في المناطق التي دخلتها قواته داخل سوريا، مبرراً ذلك بالاحتياجات الأمنية لإسرائيل.
وهذا يضع النقاش السوري الإسرائيلي في إطار مختلف عن مجرد تبادل التصريحات. فهناك قضية سيادة قائمة منذ احتلال إسرائيل الجولان عام 1967، ومحاولة فرض قوانينها عليه عام 1981، إلى جانب نزاع أحدث بشأن الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة العازلة وأجزاء أخرى من الأراضي السورية.
والأهمية هنا، أن الوضع القانوني للجولان لا يتوقف على المواقف السياسية المتغيرة. فقد نص قرار مجلس الأمن رقم 497 لعام 1981 على بطلان قرار إسرائيل فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل، واعتبره بلا أثر قانوني دولي.
تتيح هذه الخلفية فهماً أوسع للخطاب الذي قدمه الشرع في نيويورك، فقد جمع بين التأكيد على السيادة السورية وإبداء الاستعداد لتسويةأمنية، مع التمييز بين التفاوض على ترتيبات تخفيف التصعيد وبين الموقف من ملكية الأرض.
أما الحكومة الإسرائيلية فتربط استمرار وجودها العسكري باعتبارات الأمن والتهديدات المحتملة عبر الحدود، ويتجاوز الخلاف، لذلك، مسألةرسم الحدود إلى طبيعة الترتيبات الأمنية التي قد تنشأ بين البلدين، ومدى توافقها مع قواعد القانون الدولي.
ومن المهم هنا عدم المبالغة في تفسير انسحاب الوفود من خطاب نتنياهو بوصفه اصطفافاً خلف الموقف السوري. فالدافع المعلن للاحتجاج ارتبط، بصورة رئيسية، بالسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، ولا تتوافر قائمة رسمية شاملة توضّح موقف كل دولة مشاركة من قضية الجولان.
ومع ذلك، فإن وضع الخطابين السوري والإسرائيلي جنباً إلى جنب، يكشف طبيعة التناقض السياسي والقانوني الذي تشهده المنطقة: دمشق تطالب بالانسحاب واستعادة السيادة على أراضيها، فيما تتمسك الحكومة الإسرائيلية بالسيطرة على الجولان وبإجراءات عسكرية إضافية تقول إنها ضرورية لأمنها.
تستمد المقاطعة أهميتها من بساطة أداتها؛ فلا يتطلب الانسحاب تصويتاً معقّداً أو مفاوضات بين الحكومات. يكفي أن يغادر الدبلوماسيون مقاعدهم في اللحظة نفسها لتصل رسالتهم إلى جمهور عالمي.
غير أن ما يمنح الصورة قوتها قد يكون أيضاً مصدر محدوديتها. فالانسحاب لا يمثل قراراً ملزماً، ولا يفرض عقوبات، ولا يؤدي تلقائياً إلى وقف العمليات العسكرية أو تنفيذ قرارات مجلس الأمن.
والفارق بين التضامن الرمزي والتأثير السياسي جوهري بالنسبة إلى الفلسطينيين والسوريين على السواء.
ففي غزة، يتعلق الأمر بالوضع الإنساني وبالمساءلة عن الانتهاكات المزعومة وبمستقبل الحقوق الفلسطينية. وفي سوريا، يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي والسيادة على الجولان والترتيبات الأمنية على طول الحدود.
ولا يمكن الاستدلال من المقاعد الفارغة وحدها على مقدار استعداد الحكومات المنسحبة لاتخاذ إجراءات إضافية، وخصوصاً في ظل اختلاف مصالحها وتحالفاتها وعلاقاتها بإسرائيل والولايات المتحدة.
لهذا فإن المشهد الذي يمكن تفسيره باعتباره إحراجاً دبلوماسياً علنياً لنتنياهو يطرح، في الوقت نفسه، تساؤلاً عن مدى قدرة هذا الاعتراض على تجاوز حدود قاعة الجمعية العامة.
إنه اعتراض ظاهر وقابل للتوثيق، لكنه ليس بديلاً من القرارات السياسية والقانونية التي تتعامل مع جذور النزاعات.
ذهب نتنياهو إلى نيويورك ليعرض رواية حكومته بشأن الحروب والعمليات العسكرية التي تخوضها إسرائيل، لكنه وجد أن مغادرة جزء من جمهوره أصبحت، بحد ذاتها، عنواناً رئيسياً للتغطية الإخبارية.
تكمن دلالة ما حدث في أن الخلاف حول سياسات إسرائيل لم يعد محصوراً في مضمون الخطب والقرارات، بل ظهر في السلوك الدبلوماسي أمام الكاميرات. ويمكن لمن يقرأ المشهد باعتباره إهانة رمزية، أن يستند إلى توقيت الانسحاب واتساع المشاركة فيه، بينما تشير الوفود التي بقيت في القاعة واستمرار نتنياهو في إلقاء كلمته إلى حدود هذه القراءة.
أما من دمشق، فإن ما يستحق المتابعة يتجاوز صورة القاعة الفارغة إلى ما ستفعله الدول التي غادرتها حيال القرارات الدولية الخاصة بالجولان، والوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، وأي مفاوضات مقبلة بين الجانبين.
لقد قدّمت الجمعية العامة مشهداً دبلوماسياً يصعب تجاهله. لكن الاختبار الذي سيحدد أهميته التاريخية، لن يكون عدد المندوبين الذين غادروا القاعة، بل ما إذا كان اعتراضهم العلني سيتبعه تغيير ملموس في المواقف والإجراءات الدولية.
بقلم: رزق العبي









