المزيد

‫آخر الأخبار:‬

كلمة تبني… وكلمة تهدم

‫شارك على:‬
20

في سورية، انطلقت حملة إعلامية بعنوان «كلمة تبني»، لتذكّر بأثر الكلمة ودورها في بناء الوعي وتعزيز المسؤولية في المجتمع. وهي فكرة تستحق التوقف عندها، لا بوصفها حملة إعلامية فحسب، وإنما بوصفها تذكيراً بمعنى أكبر؛ فالكلمة يمكن أن تكون لبنة في بناء المجتمع، كما يمكن أن تكون معولًا يهدم ما بُني.

نحن نعيش في زمن أصبحت فيه الكلمة أسرع من أي وقت مضى؛ بضغطة واحدة يمكن أن تصل جملة أو معلومة أو تعليق إلى آلاف الناس، وربما إلى ملايينهم، قبل أن يتوقف صاحبها لحظة ليسأل: هل ما أكتبه صحيح؟ وهل ما أنقله حقيقة ثابتة أم إنه مجرد كلام سمعته وتناقلته الصفحات؟

وهنا تكمن الخطورة؛ فالمعلومة غير الدقيقة لا تبقى في حدود كونها معلومة خاطئة، فقد تتحول مع كثرة تداولها إلى قناعة، ثم إلى موقف، ثم إلى سلوك. وقد يبدأ الأمر بخبر لم يُتحقق منه، وينتهي بحالة من الشك والقلق وفقدان الثقة، خصوصاً عند ما يتعلق الأمر بقضايا تمس حياة الناس أو مؤسسات الدولة أو الشأن العام.

والأخطر أن بعض ما يُنشر قد لا يكون مجرد خطأ غير مقصود، وإنما كلام يُستخدم لإثارة الناس أو دفعهم إلى فقدان الثقة بدولتهم ومؤسساتهم، وهذا يمكن أن يفتح أبواباً لمشكلات أكبر مما يتصور من كتب الكلمة أو نشرها. فالمجتمعات لا تقوم على المباني والقوانين وحدها، وإنما تقوم أيضاً على الثقة، والوعي، وحسن التواصل، والقدرة على الاختلاف من دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة أو تشكيك أو تحريض.

ومع ذلك، فإن الحديث عن مسؤولية الكلمة لا يعني أن يصمت الناس عن المشكلات، أو أن يتوقفوا عن النقد، أو أن يتخلوا عن حقهم في السؤال والمطالبة بالتوضيح. فالنقد المسؤول حاجة للمجتمع، والسؤال حق، وكشف الخلل بطريقة موضوعية يمكن أن يكون إسهاماً في الإصلاح. لكن الفرق كبير بين نقد يبحث عن الإصلاح، وكلام يبحث عن الإثارة، وبين سؤال يريد الحقيقة، ومعلومة تُنشر من دون تثبت، وبين ملاحظة تستند إلى وقائع، واتهام يُبنى على الظنون والتخمينات.

وقد وضع القرآن الكريم أصلاً واضحاً في التعامل مع الأخبار، فقال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].

وهذه الآية ليست توجيهاً إعلامياً فحسب، وإنما قاعدة تحفظ المجتمع من كثير من الظلم وسوء الفهم؛ لأن الخبر حين يصل إلى الناس لا يبقى مجرد كلمات، بل قد يغيّر موقفاً، أو يسيء إلى إنسان، أو يزرع خلافاً، أو يؤثر في علاقة بين الناس، وربما يترك أثراً لا يسهل إصلاحه بعد ذلك.

وفي زمن وسائل التواصل، أصبحت مسؤولية الكلمة أكبر؛ لأن الكاتب لم يعد يتحدث إلى من حوله فقط، بل قد يخاطب مجتمعاً كاملاً من دون أن يشعر. ولذلك فإن إعادة النشر ليست فعلاً محايداً دائماً، وكتابة التعليق ليست أمراً بسيطاً كما قد يبدو؛ فكل كلمة نكتبها قد تحمل أثراً يتجاوز اللحظة التي كُتبت فيها.

وهنا تصبح «كلمة تبني» أكثر من مجرد عبارة تُكتب أو شعار يُرفع في حملة إعلامية؛ إنها مسؤولية وسلوك، لأن الكلمة التي نقولها أو نكتبها قد تبني إنساناً، أو تصلح علاقة، أو تزرع أملاً، كما قد تهدم ثقة، أو تزرع خلافاً، أو تفتح باباً لمشكلة لم تكن موجودة من قبل.

ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذه الفكرة أن نسأل أنفسنا قبل أن نكتب أو ننشر: هل هذه الكلمة تبني أو تهدم؟ هل هذه المعلومة صحيحة أم إنها مجرد كلام متداول؟ هل أنقل حقيقة أو انطباعاً؟ وهل ما أكتبه سيزيد الفهم والوعي، أم إنه يزيد الشك والاحتقان؟

فالوطن يحتاج إلى الكلمة الصادقة كما يحتاج إلى العمل الصادق، ويحتاج إلى النقد الذي يفتح أبواب الإصلاح، لا إلى الكلام الذي يغلق أبواب الثقة. وكل مواطن، وكل كاتب، وكل إعلامي، وكل مستخدم لوسائل التواصل، له نصيب من مسؤولية الكلمة.

فالكلمة قد تكون جسراً بين المواطن ودولته، وقد تكون جداراً يفصل بينهما؛ وقد تكون بداية إصلاح، وقد تكون بداية مشكلة. لذلك، قبل أن نكتبها أو ننشرها، لنتذكر أنها ليست مجرد كلمات، إنها أثر، ومسؤولية، وأمانة.