لم يعش فلسطينيو غزة يومًا هانئًا أو هادئًا طوال سنوات طويلة، فقد اعتادوا الحروب والحصار، وألِفوا التشرّد والدمار والألم، حتى بات الخروج من هذا الواقع المستعصي ضرورة لا تحتمل مزيدًا من الانتظار. وربما كان هذا الشعور أحد العوامل التي دفعت قيادة حماس إلى تنفيذ عملية 7 أكتوبر، بعدما رفعت الحركة طويلًا شعارات المقاومة والصمود، ورأت في بقاء القضية الفلسطينية عالقة في مكانها، من دون أفق سياسي أو تسوية، مبررًا إضافيًا للذهاب إلى عملية كبيرة تأمل من خلالها تغيير المعادلة.
ومن هذه الزاوية، ربما راهنت الحركة على أن الصدمة التي ستحدثها العملية ستفرض على إسرائيل والمجتمع الدولي التعامل مجددًا مع القضية الفلسطينية، وأن ذلك قد يفتح بابًا للخروج من حالة «الموت البطيء» التي يعيشها قطاع غزة. وهذا الرهان يستند، إلى وعود حلفاء حماس في محور المقاومة، من حزب الله والنظام السوري والحشد الشعبي في العراق والحوثيين إلى إيران، بفتح نيرانهم على إسرائيل ومشاركتها حربها، ولو ضمن حدود محسوبة، وهم الذين يشاركونها الشعارات ذاتها.
ومع ذلك، من غير المنطقي افتراض أن قيادة حماس وضعت مصيرها كله في سلة هؤلاء الحلفاء. فهي، على الأرجح، كانت تدرك أن لكل طرف في هذا المحور حساباته ومصالحه، وأن الوعود السياسية شيء والالتزام بحرب مفتوحة شيء آخر. ولعل أحد أهداف العملية كان الوصول إلى صفقة لتبادل الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، بحيث تفرض على إسرائيل إطلاق سراح أكبر عدد ممكن الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية في الحد الأدنى.
غير أن المشكلة الأكبر في حسابات حماس ربما كانت في تقديرها للطرف الآخر، وتحديدًا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومدى استعداده لاستثمار الحرب في الخروج من أزماته السياسية والشخصية، وفي تحويل الهجوم إلى فرصة لإعادة ترتيب المشهد الإسرائيلي حول هدف واحد: القضاء على حماس.
ومن هنا، فإن المفاجأة لم تكن في أن ترد إسرائيل، بل في حجم الرد وطبيعته ومداه، وربما كان أكبر أخطاء حماس أنها بنت حساباتها على نجاح الاختراق العسكري، من دون أن تضع في الحسبان أن نجاحها نفسه قد يمنح نتنياهو المبرر السياسي والعسكري الذي يحتاج إليه لخوض حرب واسعة في غزة.
ولم يكن الخطأ محصورًا في قراءة إسرائيل وحدها، فقد أخطأت حماس، على ما يبدو، في قراءة اللحظة الدولية أيضًا. فالعالم الذي دخلته حين عملية 7 أكتوبر كان شديد التوتر جراء حرب روسيا على أوكرانيا التي هددت الأمن العالمي وسلاسل الإمداد وتسببت بارتفاع أسعار الوقود والغذاء، وأصبح استقرار منطقة الخليج والشرق الأوسط جزءًا من معادلة أوسع تتصل بأمن الطاقة والاقتصاد العالمي. ومن هنا كانت القوى الكبرى تبحث عن ترتيبات تقلل احتمالات الانفجار الإقليمي وتحافظ على تدفق الطاقة والتجارة، سواء عبر تسويات واسعة أو عبر تفاهمات مؤقتة تمنع انهيار الاستقرار، وهنا ظهر التناقض بين حسابات حماس والتوجه الدولي الأوسع، فما قد يبدو لحماس محاولة لإعادة القضية إلى مركز الاهتمام، قد يبدو للعواصم الكبرى تهديدًا جديدًا للاستقرار الإقليمي الذي كانت تعمل على تثبيته.
تضخمت الأنا الحمساوية بفعل السلاح الذي راكمته حماس وطوّرت بعض منظوماته خلال السنوات السابقة، في ظل فترة من الهدوء النسبي والهدن المتقطعة مع إسرائيل، وكذلك ارتفاع مستوى التنسيق بين مكونات محور المقاومة، وهذا ما جعلها ترى غزة صغيرة عليها وأنها بعملية كتلك التي نفذتها سترغم إسرائيل على تقديم تنازلات وتسمح بوصل غزة بالقطاع وبالتالي تسيطر حماس على المنطقتين.
وهنا اصطدمت حسابات حماس بهوّة القوة الهائلة بينها وبين إسرائيل، وباستعداد نتنياهو لتحمّل كلفة بشرية كبيرة من أجل القضاء على حماس. ومع اتساع الحرب، تبدلت المعادلة بالكامل، فبدل أن تستخدم حماس العملية لإجبار إسرائيل على تقديم تنازلات، وجدت نفسها أمام حرب استنزاف هائلة قد تودي بها تماماً لأن رهانها على مساندة شركائها في محور المقاومة اتضح في نهاية المطاف أنه لم يكن في محلّه، فهم يعملون لمصالحهم وحساباتهم الخاصة غير عابئين بها، فيما دفع المدنيون الفلسطينيون الثمن الأكبر.
وهنا تكمن المفارقة بين حقل حماس وبيدر نتنياهو، زرعت حماس عملية أرادت منها تغيير المعادلة، لكن نتنياهو حصد منها فرصة حرب أعادت ترتيب أولويات إسرائيل ووفرت له، في لحظة سياسية شديدة التعقيد، عنوانًا جامعًا يستطيع أن يختبئ خلفه. وبين الزرع والحصاد، كانت غزة هي التي دفعت الفاتورة الأكبر.
في النهاية، هل يمكن توجيه اللوم لحماس التي حاولت أم للعالم الذي جلس يتفرج صامتًا على حصار غزة وانسداد الأفق أمام الفلسطينيين، ولم يحاول؟
بقلم: عبد السلام حاج بكري







