في الثالث من أيار من كل عام، يتجدد الحديث عن حرية الصحافة بوصفها معياراً حاسماً لقياس صحة المجتمعات واستقرارها، ولكن في الحالة السورية، لا يبدو هذا اليوم مناسبة عابرة، بل محطة ثقيلة بالذاكرة، تختصر واحدة من أكثر التجارب قسوة في تاريخ العمل الصحفي الحديث، حيث تحول الصحفي من ناقل للحقيقة إلى هدف مباشر للقتل والتصفية.
وعلى امتداد سنوات الثورة السورية المباركة، لم تكن المعركة محصورة في الميدان العسكري، بل امتدت إلى ميدان الكلمة والصورة، ومنذ اللحظة الأولى، أدرك النظام البائد خطورة الرواية الحرة، فسعى إلى احتكارها بالقوة، فارضاً نموذج الرأي الواحد، ومغلقاً البلاد أمام الإعلاميين الدوليين، بل مهدداً كل من يحاول كسر هذا الطوق بالخطف أو القتل، هكذا ولدت صحافة بديلة، حمل لواءها ناشطون وصحفيون ميدانيون، اختاروا أن يكونوا “عين الحقيقة” رغم المخاطر المحدقة.
وتكشف الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن أكثر من 715 صحفياً وعاملاً في المجال الإعلامي ارتقوا شهداء منذ عام 2011، أغلبيتهم على يد النظام البائد برصاص قناص في الساحات أو استهداف في الميدان أو تحت التعذيب في مراكز الاحتجاز، في مشهد يعكس سياسة ممنهجة لإسكات أي صوت مستقل، ولم تكن هذه الانتهاكات حوادث عشوائية، بل جزء من منظومة قمع متكاملة، استخدمت الاغتيال والاعتقال والإخفاء القسري كأدوات لإفراغ الساحة الإعلامية.

ورغم تصدر سوريا لسنوات قائمة أخطر دول العالم على الصحفيين خلال سنوات الثورة، لم يتراجع الصحفيون السوريون، حيث وثقوا بالكاميرا البسيطة والهاتف المحمول، التظاهرات والمجازر، وتفاصيل الحياة تحت القصف، ونجحوا في كسر العزلة التي حاول النظام البائد فرضها، ولعب “المواطن الصحفي” دوراً مفصلياً في نقل الحقيقة إلى العالم، وأسهم في بناء أرشيف بصري وحقوقي كان له أثر بالغ في تشكيل الرأي العام الدولي.
قصص الشهداء الصحفيين تختصر هذه المأساة، من مصورين قُتلوا وهم يوثقون المعارك، إلى صحفيين اغتيلوا بسبب أعمالهم الاستقصائية، إلى ناشطين قضوا تحت التعذيب، جميعهم يشتركون في مصير واحد: دفع ثمن الحقيقة دماً، لم يكونوا مجرد ناقلين للأحداث، بل شركاء في صياغة الذاكرة الوطنية، وحراساً لرواية حاول الاستبداد طمسها.
واليوم، بعد سقوط النظام البائد، تبدو الصورة مختلفة بشكل لافت، فقد أشار تقرير “مراسلون بلا حدود” قبل أيام، إلى قفزة غير مسبوقة لسوريا الجديدة بـ36 مرتبة على مؤشر حرية الصحافة، في إنجاز يعكس تحولات عميقة في البيئة الإعلامية، هذه القفزة لا يمكن فصلها عن واقع جديد يتسم بتعدد الآراء، وانفتاح الفضاء الإعلامي، وتراجع القبضة الأمنية التي خنقت الصحافة لعقود.
ولا يعني ذلك أن الطريق أصبح ممهداً بالكامل، فالتحديات لا تزال قائمة، لكن التحول الحاصل يبعث برسالة واضحة: أن حرية الصحافة ليست ترفاً، بل شرط أساسي للاستقرار السياسي والاجتماعي، وفي وقت تشهد فيه دول عديدة تراجعاً في هذا المجال، تبدو التجربة السورية مثالاً على إمكانية الانتقال من القمع إلى الانفتاح، مهما كانت الكلفة باهظةً.
وفي اليوم العالمي لحرية الصحافة، أثبتت التجربة السورية أن الحقيقة قد تُحاصر، وقد يُدفع ثمنها غالياً، لكنها لا تموت، وبين الأمس الذي كُتبت فيه الكلمة بالدم، واليوم الذي تُكتب فيه بمساحة أوسع من الحرية، تبقى الصحافة في سوريا شاهداً حياً على أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، وأن الانتصار فيها يبدأ بكسر الخوف، وينتهي ببناء مجتمع يسمع كل الأصوات.
الوطن- أسرة التحرير








