تتسع الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة في سوريا إلى مستويات غير مسبوقة، فبرغم الزيادات الأخيرة على الرواتب، لا يزال الخلل العميق في التوازن الاقتصادي يضع غالبية الأسر السورية أمام معادلة معيشية شبه مستحيلة، حيث بات تأمين القوت اليومي معركة استنزاف مستمرة.
تشير التقديرات الحديثة إلى أن الحد الأدنى لتكاليف المعيشة لأسرة سورية مكونة من خمسة أفراد حوالي 7.5 ملايين ليرة شهرياً، وذلك لتأمين الاحتياجات الأساسية فقط من غذاء وطاقة، أما للوصول إلى مستوى “العيش المقبول” الذي يغطي الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، فإن التكاليف تقفز إلى نحو 11 مليون ليرة.
امام ذلك يبرز التناقض الصارخ في الأجور إذ لا يتجاوز الحد الأدنى للرواتب بعد الزيادة الأخيرة حاجز 750 ألف ليرة، ما يعني أن الدخل الرسمي بات يغطي بالكاد جزءاً يسيراً من المتطلبات الفعلية، ويترك فجوة هائلة تعجز الحلول التقليدية عن ردمها.

أجور خارج التغطية
تعكس المقارنة المباشرة للأرقام عمق المأساة المعيشية، حيث تؤكد البيانات أن الأجور الحالية تغطي نحو 10% فقط من الاحتياجات الأساسية، وفي تقديرات أكثر قتامة، يتبين أنها لا تتجاوز 6.4% من وسطي تكاليف المعيشة.
هذا الاختلال يضع الراتب الشهري في موقف العاجز، إذ لا يكفي للإنفاق الضروري سوى لعدة أيام قليلة، ما جعل سوريا تصنف ضمن أكثر الاقتصادات اختلالاً بين الدخل والإنفاق على مستوى العالم، بعد أن فقدت الأجور وظيفتها الأساسية كمصدر كافٍ ومستدام للعيش.
دوامة التضخم
على الرغم من رفع الرواتب بنسبة وصلت إلى 200% خلال عام 2025، إلا أن هذه الخطوة لم تترجم إلى تحسن ملموس في الواقع المعيشي، والسبب يعود إلى تسارع وتيرة التضخم وارتفاع أسعار السلع والخدمات بشكل يفوق قدرة الزيادة النقدية على الصمود.
إن الزيادات النقدية التي لا تسندها زيادة في الإنتاج الحقيقي سرعان ما تتحول إلى ضغوط سعرية إضافية في السوق، ما يؤدي إلى تآكل سريع في القدرة الشرائية للمواطن، ويجعل من كل زيادة اسمية مجرد ملاحقة يائسة لقطار الأسعار السريع.
معيشة البقاء
توضح الدراسات الاقتصادية أن مستوى الإنفاق الحالي الذي يتراوح بين 7 إلى 8 ملايين ليرة لا يحقق حياة لائقة، بل يقتصر على ما يمكن تسميته بـالبقاء الحياتي وهو الحد الأدنى لاستمرار الحياة دون احتساب تكاليف السكن الجيد، أو التعليم، أو الرعاية الصحية المتكاملة.
ومع بلوغ حاجز الـ 10 ملايين ليرة كشرط للعيش المقبول، يجد المواطن السوري نفسه أمام رقم خيالي بعيد تماماً عن متناول الغالبية العظمى، ما يعزز حالة الاغتراب الاقتصادي ويجعل من تأمين الغد هاجساً يؤرق كل بيت.







