الهيئة العامة للمنافذ والجمارك تصدر قرار إعفاء السوريين القادمين بسيارات أجنبية عبر المنافذ البرية من رسوم سمة الدخول خلال عطلة عيد الأضحى

الرئيس أحمد الشرع يُصدر المرسوم رقم 109 المتضمن قانون جديد للجمارك بديلاً عن القانونين رقم 37 و 38 لعام 2006 وتعديلاته

عبور أول قافلة ترانزيت عبر منفذ تل أبيض من تركيا إلى العراق عبر منفذ اليعربية مما يعكس عودة تنشيط حركة النقل والتبادل التجاري الإقليمي عبر الأراضي السورية

سوريا تُدين الاعتداء بطائرات مسيرة على المملكة العربية السعودية وتشدد على أنه يمثل انتهاكاً لسيادة المملكة وتهديداً لأمن واستقرار ‏المنطقة

مصادر في وزارة الدفاع تنفي لـ “الوطن” تحليق طائرات حربية للجيش العربي السوري

الرئيس الشرع يستقبل المبعوث الأميركي توماس باراك في قصر الشعب ويبحث معه مستجدات الأوضاع في سوريا والمنطقة

قوات الاحتلال الإسرائيلي تنصب حاجز وتفتش المارة على طريق الأصبح _ مزرعة الفتيان جنوبي القنيطرة

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

لردم فجوة “الغلاء”.. رواتب جديدة لترميم معيشة السوريين واستعادة الكفاءات

‫شارك على:‬
20

يمثل ملف الأجور والرواتب في سوريا العصب الحساس الذي يربط بين الاستقرار الاجتماعي والقدرة التشغيلية للدولة، وخاصة في مرحلة انتقالية دقيقة تمر بها البلاد.

الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة اوضح لـ”الوطن” أنه في ظل التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها سوريا، تأتي تصريحات الرئيس أحمد الشرع بخصوص إقرار حد أدنى للأجور يراعي معدلات الفقر، وزيادة عامة بنسبة 50بالمئة للموظفين، فضلاً عن زيادات نوعية تتجاوز نسبتها 1200بالمئة في بعض القطاعات الحيوية، لتشكل منعطفاً رئيسياً في فلسفة إدارة الموازنة العامة للدولة.

ولفت أستاذ الاقتصاد إلى أن هذه الأرقام، التي تتراوح بين 50 بالمئة وصولاً إلى 550بالمئة و1200 بالمئة عند احتساب تحسن سعر الصرف، ليست مجرد أرقام محاسبية، بل هي انعكاس لصراع حاد بين سياسات الإنفاق العام، والإيرادات المتاحة، وضغوط التضخم الموروثة، وحاجة الدولة إلى استقطاب الكفاءات في قطاعات حساسة مثل الصحة والقضاء والرقابة المالية.

قراءة في الأرقام بين الاسمي والحقيقي..

استاذ المصارف وفي تحليل لتصريحات الرئيس الشرع، لفت إلى لحظ التمييز الواضح بين ثلاث شرائح هي الزيادة العامة الشاملة بنسبة 50بالمئة لجميع الموظفين وهذه الزيادة تمثل تعديلاً جزئياً لمواجهة التغيرات في تكلفة المعيشة، وهي في جوهرها زيادة اسمية.

والزيادة التراكمية حيث أشار الرئيس إلى أن التعهد السابق كان بزيادة 400 بالمئة، ولكن مع تحسن سعر الصرف والزيادات الأخيرة، تم تحقيق نسبة تقارب 550بالمئة, وهذا يعني أن الدولة تتبنى منهجية “ربط الأجور بسعر الصرف” وليس بالأسعار المحلية فقط، وهو تطور مهم في فلسفة سياسة الأجور.

والشريحة الثالثة الزيادات النوعية (الهيكلية) وهي الأكثر أهمية من الناحية الاقتصادية، حيث وصلت إلى 1200 بالمئة لفئات محددة، وهذه الزيادة تعكس تحولاً من سياسة الأجر المسطح إلى سياسة الأجر المحفز.

المحاسبة بين الموازنة والإيرادات..

وفي اجابة محمد للسؤال الأكثر إلحاحاً وهو من أين ستأتي تمويلات هذه الزيادات؟ قال محمد: عادة ما تواجه الحكومات في مرحلة التعافي ما يعرف بـ”معضلة الإنفاق الجاري مقابل الإنفاق الاستثماري”، فعندما تزداد فاتورة الرواتب والأجور (الإنفاق الجاري) بشكل حاد، فإن ذلك يضغط على قدرة الدولة على تمويل مشاريع البنى التحتية وإعادة الإعمار (الإنفاق الاستثماري).

ويرى محمد انه في سورية يمكن تمويل هذه الزيادات من خلال تحسين سعر الصرف كما أشار الرئيس، فإن استقرار سعر صرف الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية يقلل من كتلة النقود المطلوبة لدفع الرواتب بالقطع الأجنبي المعادل، ويزيد من القوة الشرائية الحقيقية للأجر، مضيفا: هذا يعني أن جزءاً من الزيادة لم يأتِ من طباعة النقود، بل من استقرار القيمة النقدية.

توسيع القاعدة الضريبية:

يرى محمد انه لا يمكن لأي زيادة في الأجور أن تكون مستدامة دون زيادة في الإيرادات العامة، والزيادات النوعية لقطاعات مثل التفتيش تشير ضمنياً إلى أن الدولة تتجه نحو تشديد الرقابة المالية ومكافحة التهرب الضريبي والجمركي لزيادة الإيرادات.

إعادة هيكلة الدعم..

ولفت محمد الة انه غالباً ما تكون زيادة الأجور جزءاً من صفقة اجتماعية تقوم على إعادة توجيه الدعم من السلع إلى الدخل النقدي المباشر، ما يزيد من كفاءة الإنفاق العام.

رفع الحد الأدنى للأجور ومعدلات الفقر

اكد استاذ الاقتصاد أن تحديد الحد الأدنى للأجور بناءً على “معدلات الفقر” هو مبدأ اقتصادي سليم نظرياً، لكنه يحمل مخاطر عملية، موضحا انه عندما يتم رفع الحد الأدنى للأجور بنسب مرتفعة، قد يؤدي ذلك إلى ضغوط تضخمية إذا لم تكن زيادة الإنتاجية موازية للزيادة في الأجور، فقد تلجأ المؤسسات العامة والخاصة إلى رفع أسعار السلع والخدمات لتعويض زيادة كتلة الأجور، وهو ما يلتهم قيمة الزيادة.

كما سيتسبب في تشوهات سوق العمل إذ قد تؤدي الفجوة الكبيرة بين الزيادة العامة (50 بالمئة) والزيادات النوعية (1200 بالمئة) إلى خلق فجوات هيكلية في سوق العمل، حيث قد تتجه الكفاءات بشكل مكثف نحو القطاعات ذات الزيادات النوعية، ما يخلق نقصاً في قطاعات أخرى.

وتابع قائلا: مع ذلك، فإن مراعاة معدلات الفقر تعني أن الدولة تتبنى سياسة “الأجر المعيشي” بدلاً من “الأجر الأدنى”، وهو توجه يحمي القدرة الشرائية للفئات الأكثر هشاشة، شرط أن يقترن بسياسات مراقبة الأسعار.

الزيادات النوعية كأداة لبناء الدولة..

نوه محمد بان التركيز على الأطباء والمهندسين ومؤسسات التفتيش يحمل دلالات اقتصادية استراتيجية واضحة لجهة الاهتمام لرأس المال البشري، فسوريا في مرحلة إعادة إعمار تحتاج بشدة إلى هندسة بناء وكوادر طبية، وهذه الزيادات تهدف إلى وقف هجرة العقول واستقطاب الكفاءات للعمل داخل المؤسسات الحكومية بدلاً من القطاع الخاص أو الهجرة.

وفي مجال الحوكمة ومكافحة الفساد يعتبر تخصيص زيادات نوعية لجهاز التفتيش المالي يهدف إلى بناء جدار حماية ضد الفساد الإداري والمالي. من الناحية الاقتصادية، كل ليرة تنفق على تعزيز رقابة التفتيش هي استثمار في خفض الهدر المالي العام.

من وجهة نظر اقتصادية بحتة، يرى محمد أن حزمة الأجور التي أقرها الرئيس أحمد الشرع تمثل نقلة نوعية في إدارة الموازنة العامة السورية، تتجاوز منطق “الإغاثة” المؤقت إلى منطق “التحفيز الهيكلي”، فالتحول من زيادة اسمية واحدة إلى هيكل متعدد الشرائح يعكس فهماً عميقاً لتعقيدات الاقتصاد الكلي، حيث تم التعامل مع ملف الأجور كأداة لتحقيق ثلاثة أهداف في آن واحد هي الحماية الاجتماعية (عبر الحد الأدنى المراعي للفقر)، والاستقرار النقدي (عبر الربط بتحسن سعر الصرف)، وكفاءة الأداء المؤسسي (عبر الزيادات النوعية).

ويرى محد أن نجاح هذه السياسة مرهون بثلاثة محددات حاسمة متمثلة بالانضباط المالي، فيجب ألا تتحول الزيادات النوعية إلى أعباء جارية دائمة دون أن يقابلها نمو في الإيرادات الذاتية للدولة، ولا بد من تفعيل دور وزارة المالية في تحصيل الإيرادات غير النفطية (الضرائب والرسوم) بشكل عادل وفعال، وسياسة نقدية متوازية إذ إن زيادة الأجور مهما كانت كبيرة ستبقى غير مجدية إذا لم تستمر الجهود في الحفاظ على استقرار سعر الصرف وكبح جماح التضخم، فإن ما تم تحقيقه من تحسن في سعر الصرف يجب أن يُحصن عبر سياسات نقدية حذرة تمنع عودة التقلبات، بالتزامن مع الإنتاجية كاولوية، فيجب أن تقترن زيادة الأجور ببرامج إعادة هيكلة للمؤسسات العامة لضمان أن هذه الزيادة تؤدي إلى زيادة في الإنتاجية، وليس فقط زيادة في الإنفاق.

وختم أستاذ الاقتصاد القول: إن هذه القرارات تحمل في طياتها رؤية اقتصادية طموحة تضع الموارد البشرية في صلب استراتيجية التعافي.،  والتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في حجم الأرقام المعلنة، بل في قدرة الدولة على تحويل هذه الأرقام إلى قيمة حقيقية في حياة المواطن، من خلال بيئة مستقرة وإدارة مالية رشيدة تضمن أن تكون الزيادة في الأجور بداية لدورة اقتصادية إيجابية، وليست مجرد تعديل رقمي يتلاشى في موجة تضخمية لاحقة.