الوطن- أسرة التحرير
يشكل خروج آخر القواعد الأمريكية من الشمال الشرقي السوري، بعد استكمال تسليم كامل المواقع بما فيها التنف ومخيم الهول، نقطة انعطاف حاسمة تتجاوز بعدها العسكري المباشر إلى إعادة صياغة التوازنات السياسية والإقليمية على أسس جديدة.
فنحن اليوم إزاء انتقال مدروس من مرحلة التدخلات الخارجية إلى مرحلة إنتاج الوقائع الصلبة، مع قدرة الدولة على التحكم بالجغرافيا السورية، وضبط المجال الأمني، واحتكار القرارين العسكري والخارجي ضمن إطار الدولة المركزية.

في هذا السياق، تبرز دمشق بوصفها مركز الثقل الوحيد، وفاعل سيادي أعاد عبر التراكم الميداني والدبلوماسي فرض معادلة الدولة الواحدة، وإنهاء تعددية مراكز القوة التي فرضتها ممارسات النظام البائد.
ومن هنا، فان الجيش السوري، الذي تسلم تباعاً أخطر الجغرافيا الأمنية من قواعد أجنبية ومخيمات معقدة، لم يكن مجرد قوة استلام، بل قوة إعادة ضبط، فرضها عبر نجاحه في تثبيت الاستقرار وحماية الحدود وكسر شبكات التهريب وملاحقة الميليشيات العابرة للحدود.
هذه النجاحات الميدانية شكلت عملياً شهادة كفاءة ميدانية دفعت حتى الخصوم إلى إعادة تقييم حساباتهم.
والأهمية هنا تتجاوز البعد العسكري إلى السياسي العميق، إذ إن انسحاب القوات الأمريكية هو ثالث إنجاز استراتيجي خلال فترة زمنية قصيرة، بعد إسقاط النظام البائد وإنهاء واقع التقسيم في الشمال الشرقي، فخلال أقل من عامين، أعادت سوريا بناء معادلة الدولة: وحدة الأرض، مركزية القرار، واحتكار السلاح.
وهذا ما يجعل هذا الانسحاب مؤشراً أولياً لإنهاء ظاهرة “المكونات الموازية”، سواء لدى “قسد” التي تتجه نحو الاندماج الكامل، أو في محاولات إنتاج كيانات محلية خارج إطار الدولة كما في السويداء.
وفي ضوء ذلك، تعد تصريحات الرئيس أحمد الشرع بأن “آخر قاعدة أجنبية خرجت” وأن “دمج قسد إنجاز كبير” ليست توصيفاً سياسياً فحسب، بل إعلاناً عن اكتمال طور من أطوار إعادة بناء الدولة، إضافة إلى أن ترحيب الخارجية السورية بعملية التسليم، والإشارة إلى أنها نتيجة طبيعية لنجاح الدمج وتحمل الدولة مسؤوليات مكافحة الإرهاب، يعكس ثقة مؤسساتية نابعة من القدرة، لا من التمني.
كما أن دول الجوار، التي خبرت لسنوات ارتدادات فوضى سياسات النظام البائد، باتت اليوم ترى في الجيش العربي السوري شريكاًً في الاستقرار لا مصدر تهديد.
وهنا، عندما يقول مسؤول أمريكي إن الانسحاب يعكس تراجع الحاجة للقوات الأمريكية مع تولي الحكومة السورية مهام مكافحة الإرهاب، فهذه ليست مجاملة دبلوماسية، بل إقرار صريح بانتقال مركز الثقل الأمني إلى الدولة السورية، كما أن توصيف صحيفة “واشنطن بوست” لمسار “الخروج النهائي” من سوريا ودعمها لدولة سورية موحدة، إلى جانب تصريحات المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك بأن دمشق “مؤهلة لتولي المسؤوليات الأمنية”، يكرس انتقال سوريا إلى ركيزة توازن استراتيجي.
وبهذا السياق، فإن الانسحاب الأمريكي، يشكل بداية مسار استعادة السيادة الكاملة على كامل الجغرافيا السورية، ويطوي صفحة التدخلات العسكرية التي فرضتها ممارسات النظام البائد، ويفتح الباب أمام دولة تمسك بقرارها، وجيش يفرض معادلة الأمن، وسياسة تعيد تموضع سوريا لاعباً موثوقاً لا غنى عنه في ساحة تطورات الأحداث الإقليمية والدولية.








