المزيد

‫آخر الأخبار:‬

أيها السوريون الكرام.. احذروا ثم احذروا

‫شارك على:‬
20

نقولها من باب المحبة والخوف على وطن عانى كثيراً، وبدأ اليوم يفتح صفحة جديدة. وفي مثل هذه المرحلة، لا يكفي أن نفرح بما تحقق، بل علينا أن نحافظ عليه، وأن ننتبه إلى كل ما يمكن أن يهدد استقرار سوريا ومستقبلها.

فالخطأ في هذه الظروف ليس دائمًا مجرد خطأ يمكن تجاوزه؛ فقد يبدأ بقرار غير محسوب، أو تقدير غير موفق، أو تصرف متسرع، ثم تتسع آثاره حتى يصبح احتواؤه أصعب مما كان متوقعاً، لذلك فإن المسؤولية اليوم تقع على الجميع: على الدولة في قراراتها، وعلى المسؤول في تقديره، وعلى المواطن في رد فعله، وعلى الجميع في وضع مصلحة سوريا فوق الحسابات الآنية.

ونحن لا نقول: إن المسؤول لا يخطئ، ولا نطلب من المواطن أن يسكت عن الخطأ.. النقد حق، والمراجعة ضرورة، والإصلاح واجب، لكنّ هناك فرقاً بين أن ننتقد قراراً ونطالب بتصحيحه، وبين أن يتحول الغضب إلى ما يضعف الدولة ويهدد استقرار الوطن.

وهنا نعود إلى ما تحدثنا عنه في أكثر من مقال عن الحاضنة الشعبية.. فالحاضنة الشعبية ليست شعاراً نردده عندما نحتاج إلى الناس، وإنما ثقة تُبنى كل يوم، وشعور لدى المواطن بأن الدولة قريبة منه، وأنها تسمعه، وتشعر بمعاناته، وتراعي ظروفه.

ومن الإنصاف أن نقول: إن المواطن السوري اليوم يعيش ظروفاً صعبة، ويُطلب منه أن يتحمل ويصبر، وهذا أمر يمكن أن يتفهمه إذا شعر بأن الجميع يتحملون معه، لكنه في المقابل يرى أمامه مواكب المسؤولين والسيارات الفارهة، ويرى أيضاً مظاهر قد تبدو له بعيدة عن واقع حياته اليومية، فيتساءل: كيف يُطلب مني أن أقتصد في أبسط احتياجاتي، بينما أرى أمامي هذا المستوى من الإنفاق؟

وقد يكون لكل موكب أو سيارة مبرراتها، وقد تكون هناك ضرورات أمنية أو إدارية لا يعرفها المواطن، لكن ما يراه المواطن يظل جزءاً من الصورة التي تتشكل في ذهنه. وفي الظروف الصعبة، تصبح الصورة أحياناً أقوى من التفسير، ويصبح من المهم أن تنتبه الدولة إلى ما يصل إلى الناس من رسائل، لا إلى ما تقصده هي فقط.

ولهذا، فإن القرب من الناس ليس مجرد لقاءات وتصريحات، وإنما سلوك يشعر به المواطن في تفاصيل الحياة… وإذا كان المطلوب منه أن يتحمل صعوبة المرحلة، فمن الطبيعي أن يرى في المسؤول نموذجاً في الترشيد والانضباط ومراعاة ظروف الناس، فحين يشعر المواطن بأن الجميع في المركب نفسه، يصبح الصبر أسهل، وتصبح الثقة أقوى.

والعلاقات الخارجية مهمة لسوريا، والانفتاح على العالم مهم، وبناء الشراكات الدولية ضرورة، لكن الداخل أهم؛ لأن الدولة لا تقوى بعلاقاتها الخارجية وحدها، وإنما تقوى بشعبها وثقته بها، وبمجتمع يشعر بأن مستقبله مرتبط بنجاح دولته.

وقد تحدثنا في مقالات سابقة عن أن الحاضنة الشعبية هي أحد أهم مصادر قوة الدولة، لذلك فإن الحفاظ عليها مسؤولية مشتركة؛ على الدولة أن تسمع الناس وتراجع ما يحتاج إلى مراجعة، وعلى المواطن أن يدرك أن النقد لا يعني الهدم، وأن المطالبة بالإصلاح لا تعني إضعاف الوطن.

وهنا تكمن خطورة المرحلة؛ فهناك من يتربص بسوريا في الداخل والخارج، وينتظر أي شرخ أو خلاف أو خطأ حتى يستفيد منه، لذلك لا يجوز أن نقدم بأيدينا ما يبحث عنه المتربصون.

قد نختلف، وقد نغضب، وقد ننتقد، وهذا كله طبيعي، لكن علينا ألا نسمح للخلاف أن يتحول إلى خصومة، ولا النقد إلى هدم، ولا الغضب إلى فوضى.

فقرار خاطئ يمكن مراجعته، ومسؤول يمكن تغييره، وسياسة يمكن تصحيحها، أما إذا ضعفت الدولة وتفكك المجتمع وفتحنا أبواب الفوضى، فقد تكون العواقب أكبر بكثير مما نتخيل.

لقد دفع السوريون ثمناً غالياً، ولا يجوز أن نسمح بأن تعود سوريا إلى دائرة الألم بسبب أخطاء يمكن إصلاحها، أو خلافات يمكن احتواؤها.. نحن أمام فرصة لبناء دولة أقوى وأكثر استقراراً، وهذه الفرصة تحتاج إلى دولة تسمع شعبها، ومسؤول يعرف حجم المسؤولية، ومواطن يدرك أن حماية وطنه لا تعني السكوت عن الخطأ، كما أن رفض الخطأ لا يعني هدم الوطن.

انتقدوا، طالبوا بالإصلاح، قولوا للمسؤول: أخطأت، وراجعوا كل قرار ترونه بحاجة إلى مراجعة، لكن حافظوا على الدولة، وحافظوا على الوطن.

فالأعداء في الداخل والخارج لا يحتاجون إلا إلى ثغرة، وينبغي ألا نمنحهم هذه الثغرة بأيدينا.

سوريا أكبر من الأشخاص، وأكبر من المناصب، وأكبر من أي خلاف، فحافظوا على وطنكم، واحفظوا حاضنتكم الشعبية، واجعلوا مصلحة سورية فوق كل اعتبار.

أرجوكم… لا تضيّعوا الوطن