تتسارع مؤشرات عودة ملف السويداء إلى طاولة البحث والمشاورات الداخلية والإقليمية والدولية، فهل نقترب من وضع الجنوب عموماً على سكة المسار المنتظر؟
مؤشرات الحراك السياسي والدبلوماسي السوري مع الحلفاء تمضي بهذا الاتجاه، وليست هي المؤشر الوحيد، قد تعلن عما قريب عن نتائجها، وقد تتأخر، فتلك طبيعة التحولات وترتيباتها النهائية، وهي محصورة بالطاولة والتوافقات وإن بدت علنية بحراكها، فأغلبية تفاصيلها محصورة بالفرق المفاوضة، لكن عودة مسار القطار إلى السكة الصحيحة تبدو متسارعة في معطياتها.
قطعاً، هذا لا يعني أن القطار وصل إلى المحطة، فالسياسة لا تسير بخط مستقيم، ولا تكفي كثرة الاجتماعات والتصريحات للقول إن الحل أصبح في «الجيب» لكنها تعني، على الأقل، أن حالة الجمود التي أحاطت بالملف خلال الأشهر الماضية بدأت تتحرك، وأن ثمة من يرى أن استمرار الوضع القائم لم يعد ممكناً ولا مفيداً لأحد.
الأكثر تعقيداً على جدول الطاولة يبقى الموقف الإسرائيلي، وحدود كبح جماح قيادته اليمينية المتطرفة وأطماعها في عموم مشهد المنطقة وتحولاتها، ولعل في رصد بعض معطياته ما يقربنا من قراءة انعكاساته على ملف السويداء تحديداً، وعموم الجنوب السوري ضمناً.
بداية من الرسالة اللافتة للرئيس الروحي للدروز في إسرائيل، موفق طريف، وحديثه عن اتصالات دولية تجرى، خصوصاً مع الولايات المتحدة، بهدف التوصل إلى حل للأزمة، معرباً عن أمله في أن تعود الأمور إلى مسارها الطبيعي قريباً.
العبارة مهمة بدلالاتها وتماهيها مع واقع التحولات: «عودة المياه إلى مجاريها»، يقول طريف.
إضافة إلى التفاهمات والتصريحات واللقاءات التي شهدناها الأسبوع المنصرم، الأميركية ـ الأردنية ـ التركية والسورية أساساً، تحت عناوين تثبيت الاستقرار، وتحقيق السيادة السورية، والعدالة والمساءلة، ومنع التدخل الخارجي، بما يحول دون العودة إلى البدايات المضطربة.
لكن السويداء، قبل أن تكون بنداً على طاولة واشنطن أو عمّان أو أنقرة أو تل أبيب، هي أهل وبيوت وطلاب وموظفون وأسواق وطرق وحياة يومية تعطلت وأرهقتها الأزمة، والناس في النهاية، لا تعيش على البيانات السياسية، ولا تطعم أبناءها من خرائط النفوذ، ثمة إرادة في شوارع السويداء بدأت تظهر، يمكن البناء عليها في مشهد الملف المتداخل.
ويأتي تحريك أوراق الملف بعد أشهر من الجمود، وفي السياسة: العودة لا قيمة لها إن لم يكن ما يمكن التوافق عليه متوفراً وقابلاً للإنجاز والبناء عليه، انطلاقاً من خريطة الطريق السورية ـ الأردنية ـ الأميركية.
أين الاستعصاء وجداول حلوله؟
الكل يعلم أن ملف السويداء لم يكن محلي الطابع منذ بدايته، وكشفت كثير من التقارير الصحفية أن الفريق المرتبط بالجانب الإسرائيلي، متمثلاً بالهجري، قد مدّ شبكة خطوطه ومنهجه ونياته قبل التحرير السوري، فباتت صعوبات الملف أوسع وأكثر تعقيداً، لتصل إلى مستقبل الدولة السورية وتوازناتها، والاتفاقات الموقعة سابقاً مع الاحتلال الإسرائيلي، ومطامعه في التوسع وفرض واقع جديد في المنطقة، وسوريا منها.
«كثرة الطباخين تحرق الطبخة»، فكلما زاد عدد اللاعبين الذين يريدون حصة أو نفوذاً أو ورقة تفاوض في السويداء، ابتعد الملف عن أصله المحلي، وأصبح الحل مرتبطاً بحسابات تتجاوز أهل المحافظة ووطنهم السوري.
والثابت بالتجربة والتحولات في عموم المنطقة العربية أن الرهان على الخارج قد يبدو مغرياً في لحظة الخوف والاستعصاء، لكنه يبقى رهاناً على مصالح الآخرين، ومصالح الدول لا تعرف المجاملة؛ فما يصلح اليوم ورقة ضغط قد يصبح غداً عبئاً يوضع جانباً عندما تتغير التفاهمات.
اللاعب الإسرائيلي بانتظار الانتخابات، وملف السويداء والاتفاق الأمني مع الدولة السورية والعودة إلى خطوط الرابع من حزيران حاضرة في الاستقطاب هناك، وهو ما يفهم من تحركات نتنياهو الأخيرة في الأراضي السورية التي تسيطر عليها إسرائيل.
بعض الأصوات المهمة إسرائيلياً تدفع في الاتجاه المغاير، وتريد اتفاقاً مع الجانب السوري، وضمنه معالجة ملف السويداء.
المحلل السياسي في صحيفة «هآرتس» تسفي برئيل في مقاله أمس أشار إلى” أن إسرائيل قد تتخلى عن دروز سوريا بعد انتهاء الحاجة إليهم كورقة ضغط، وقد تجد إسرائيل نفسها مطالبة بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها في سوريا، والتراجع عن دعمها المباشر للشيخ حكمت الهجري، في حال اتجهت الولايات المتحدة نحو تسوية سياسية مع دمشق”.
«بيت القصيد» هنا أن الأصوات تتعالى وليست عزفاً منفرداً، إنها تتسارع، فالدول تتقاطع مصالحها اليوم، وغداً تفترق، فكيف الحال بمجموعات ترتبط خارج سياقها الوطني؟
داخل إسرائيل يدور خلاف ليس حول مصير دروز سوريا فقط، بل حول حدود الدور الإسرائيلي في سوريا، تيار تقوده الحكومة وأصوات أمنية ترى أن حماية الدروز تخدم التزاما أخلاقيا ومصلحة أمنية إسرائيلية، في حين يحذر تيار آخر من أن الدعم العسكري للسويداء وتحويل الفصائل الدرزية إلى حليف إسرائيلي قد يعمقان الانقسام السوري، ويزيدان اعتماد الدروز على قوة خارجية، ويجعلان مستقبلهم مرتبطا بمصالح إسرائيل المتغيرة.
هل السويداء في صناديق الاقتراع الإسرائيلية؟
هذا ما تحاول بعض التقارير الإعلامية قوله، والسؤال يستحق المتابعة، فهل أصبحت سوريا وملف الجنوب والدروز جزءا من المزايدة السياسية والأمنية داخل إسرائيل؟ وهل يحتاج نتنياهو، في معركته الداخلية، إلى إبقاء جبهة الجنوب السوري مفتوحة، وإظهار نفسه حاميا للدروز وصاحب اليد الأطول في تقرير مستقبل المنطقة؟
مهما كانت الإجابة، فإن ارتدادات هذا المسار داخل السويداء لا تبدو كما يريدها نتنياهو. فدائرة الرفض في الأوساط المجتمعية في المحافظة تتسع، وليس آخر مؤشراتها خروج أبرز الزعامات التقليدية، ممثلة بعبد الله الأطرش، ورفض أهالي الطلبة حرمانهم، رغم تخويفهم بسلاح الفصائل، إلى جانب تردي الوضع الاقتصادي والانفلات الأمني، أما قبول الأطراف الإقليمية والدولية فهي أيضا بعكس هذا الجموح والتهور مقابل مشروع يريد الاستقرار للمنطقة وإطفاء الحرائق من غزة إلى لبنان وصولاً لسوريا.
والأهم من كل ذلك أن تصوراً عاماً يتبلور بأن السويداء وأهلها لم يكونوا ولن يكونوا إلا جزءا من الوطن السوري، المفاوضات تمضي والكل ينتظر، لكن المؤكد أن الحل لا يبنى إلا داخل الإطار السوري وحده.







