لم تتعامل دمشق مع الغارات الأردنية التي استهدفت مواقع في محافظة درعا قبل أيام باعتبارها حادثة يمكن تجاوزها، ولا بوصفها سبباً للدخول في مواجهة مفتوحة مع عمّان، بل تحركت على مسارات متوازية لتثبيت موقفها الرافض، ومتابعة تداعيات الاستهداف، والإبقاء على المعالجة الثنائية ضمن إطار سياسي وأمني واضح، عنوانه احترام السيادة ومنع تكرار ما جرى.
فمنذ اللحظات الأولى للاستهداف، كثّفت الحكومة السورية اتصالاتها مع الجانب الأردني، بالتوازي مع نفي حصول أي تنسيق مسبق بشأن الغارات، قبل أن تتوالى المواقف الرسمية عبر وزارة الخارجية والمغتربين والتصريحات الرسمية بهذا الخصوص، ثم جاء بيان الإدانة والاستنكار ليضع الاعتراض السوري في صيغة رسمية واضحة، وكان لافتا أيضا دور الإعلام الوطني الذي عبر عن الرفض لما تعرضت له الأراضي السورية.
كذلك، لم يقتصر التحرك على هذه المواقف، إذ شمل إصدار بيان مشترك مع الأردن، واستدعاء السفير الأردني لدى دمشق وتسليمه مذكرة احتجاج، وصولاً إلى تشكيل لجنة أمنية مشتركة لمتابعة القضية، ويعكس تتابع هذه الخطوات تعدد أدوات التعامل مع الحادثة، من تسجيل الاعتراض السياسي والدبلوماسي إلى البحث عن آلية عملية لمعالجة أسباب الخلاف وتداعياته.
وتكمن أهمية هذا المسار في أن دمشق لم تحصر ردها في الإدانة، ولم تجعل من حدة الموقف بديلاً عن التحرك الدبلوماسي، بل استخدمت القنوات المتاحة لتوضيح موقفها والاعتراض على ما حدث ومطالبة الجانب الأردني بالتعامل مع القضية بما يحفظ حقوق الدولة السورية.
فالتأكيد على غياب التنسيق المسبق، واستدعاء السفير وتسليمه مذكرة احتجاج، ينقلان المسألة من دائرة التصريحات إلى مستوى الاعتراض الرسمي الذي يقتضي معالجة واضحة.
كما أن دمشق لا يبدو أنها تتعامل مع الخلاف باعتباره مبرراً للتفريط بالعلاقات مع الأردن أو تعطيل فرص التعاون بين البلدين، فالبيان المشترك وتشكيل اللجنة الأمنية يفتحان الباب أمام معالجة الخلاف ضمن الأطر الثنائية، ويمنحان التنسيق فرصة للانتقال من المواقف العامة إلى بحث الوقائع وتحديد المسؤوليات ووضع ضوابط تحول دون تكرار الحوادث المماثلة.
وتتوقف أهمية اللجنة الأمنية المشتركة على ما يمكن أن تحققه عملياً، سواء لجهة توضيح ملابسات الاستهداف، أو معالجة الملفات الأمنية المرتبطة بالحدود، أو بناء قواعد أكثر وضوحاً للتنسيق بين الجانبين، وبهذا المعنى فإن نجاحها (اللجنة) مرتبط بما تقدمه من نتائج ملموسة تضمن احترام السيادة السورية وتمنع تحول التحديات الأمنية إلى مصدر دائم للتوتر.
من هذه الزاوية، وبناء على ما تقدم، فإن المقاربة السورية يمكن وصفها بالاحترافية، فهي تجمع بين التمسك بحق الدولة في حماية أراضيها ومواطنيها، واستنفاد المسارات الدبلوماسية المتاحة لمعالجة الخلاف.
بمعنى آخر، فإن الحفاظ على العلاقات لا يعني تجاوز الاعتراضات، كما أن الدفاع عن السيادة لا يستلزم إغلاق أبواب التفاهم، وبين الموقف السياسي والإجراء العملي، تصبح اللجنة الأمنية الاختبار الأهم لقدرة البلدين على تحويل الأزمة إلى مسار منضبط يمنع تكرارها.
أسرة التحرير









