تفتح زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى دمشق، ولقاؤه الرئيس أحمد الشرع، الباب أمام اختبار عملي لإمكانات العلاقة السورية العراقية، ونقلها من مساحة التقارب السياسي والروابط التاريخية إلى مشاريع اقتصادية وأمنية قادرة على إنتاج مصالح متبادلة في منطقة تتزايد فيها أهمية الممرّات التجارية ومصادر الطاقة والقدرة على حماية القرار الوطني.
وتحمل المباحثات الموسّعة التي ترأسها الرئيس الشرع والزيدي، اليوم الأربعاء، أهميتها من الملفات التي تصدّرت جدول أعمالها، وفي مقدّمتها تصدير النفط العراقي عبر خط بانياس، بطاقة تصديرية تصل إلى مليوني برميل يومياً، إلى جانب زيادة التبادل التجاري والتعاون الزراعي، وهي ملفات تتعدّى بطبيعتها حدود التبادل الثنائي، لتلامس موقع البلدين في شبكة المصالح الإقليمية، وقدرتهما على تحويل الجغرافيا المشتركة من مجرد حدود متجاورة إلى مجال للتكامل الاقتصادي.
وترى مصادر متابعة في دمشق، أن طرح خط بانياس يحمل دلالات أبعد من قطاع الطاقة، فإتاحة منفذ على البحر المتوسط أمام النفط العراقي تمنح بغداد خياراً إضافياً في تصدير مواردها، فيما تتيح لسوريا استعادة دورها ممراً اقتصادياً إقليمياً، بما يتطلبه ذلك من تأهيل للبنية التحتية وتطوير للنقل والخدمات المرتبطة به، غير أن بلوغ الطاقة المعلنة يظل مرتبطاً باستكمال المتطلبات الفنية والاستثمارية والتشغيلية، ما يجعل التنفيذ الفعلي معياراً أساسياً لقياس نتائج التفاهمات.
وفي السياق نفسه، تبرز زيادة التبادل التجاري وتطوير القطاع الزراعي بوصفهما مسارين متكاملين، فحركة الشاحنات المتنامية بين البلدين التي أشار إليها الرئيس الشرع في حديثه السابق لقناة دجلة العراقية، تعكس وجود قاعدة يمكن البناء عليها لتوسيع الأسواق وتسهيل انتقال السلع، أما التعاون الزراعي، فيتيح الاستفادة من الموارد والخبرات المتاحة لدى الجانبين، وتقليص فجوات الإنتاج، وصولاً إلى تكامل غذائي واقتصادي ينعكس على استقرار الأسواق.
على ضفة موازية، يشير البيان الصادر عن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي إلى تأكيد الزيدي على. أن “الشعبين العراقي والسوري، هما شعب واحد في بلدين”، بالتوازي مع التشديد على تعزيز التعاون الأمني وتوحيد المواقف إزاء القضايا الإقليمية والدولية، ويجمع هذا الموقف بين البعد الاجتماعي للعلاقة والحاجة إلى تنسيق عملي بملفات ذات اهتمام مشترك، في مقدّمتها أمن الحدود ومواجهة التهديدات المشتركة.
وحسب المصادر، تتقاطع هذه الرسائل مع تأكيد الرئيس الشرع على أن العلاقات مع بغداد تقوم على الروابط التاريخية والمصالح الاقتصادية، لا على اعتبارات طائفية أو عرقية، وهو طرح يضع التعاون بين الدولتين ومؤسساتهما في مقدّمة الأولويات، ويفتح المجال أمام علاقات أكثر استقراراً، بعيداً عن التجاذبات التي أثقلت المنطقة.
بقي أن نذكر أن طبيعة الوفدين، بمشاركة وزراء الخارجية والطاقة والمالية والعدل من الجانب السوري، ونظرائهم العراقيين، تشير إلى اتساع الملفات المطروحة وحاجتها إلى متابعة حكومية مباشرة، لكن الأهم تحويل التفاهمات إلى برامج محدّدة وجداول تنفيذ، بحيث تصبح زيارة دمشق نقطة انطلاق لشراكة ملموسة، لا مجرد محطة جديدة في مسار التقارب بين البلدين.
أسرة التحرير









