حين حطت طائرة وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني في إسلام آباد، لم تكن الزيارة مجرد محطة بروتوكولية عابرة، بل استعادة لخيط عُلق طويلاً بين دمشق وإسلام آباد.
فأول زيارة لوزير خارجية سوري إلى باكستان منذ تسعة عشر عاماً، لا تُقرأ إلا في سياق أوسع: سوريا التي خرجت من عباءة النظام البائد، تعيد رسم بوصلتها الخارجية بحثاً عن شركاء يوازنون حساباتها الإقليمية في لحظة إسرائيلية شديدة العدوانية.
هنا بدا الترحيب الباكستاني باستقبال الوزير الشيباني أبعد من المجاملة الدبلوماسية، فرئيس الوزراء محمد شهباز شريف استحضر اتصالاته الأخيرة مع الرئيس الشرع، وجدد “الدعم الثابت” لسيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بتأكيده أن إسلام آباد ستقف “بحزم” إلى جانب الموقف السوري من الجولان المحتل – وهي عبارة تحمل ثقلاً سياسياً، من دولة تملك مقعداً مؤثراً في محافل إسلامية ودولية عدة.
هذه الحفاوة تكررت مع نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إسحاق دار، ومع رئيس مجلس علماء باكستان الشيخ طاهر أشرفي، الذي وصف الزيارة بـ”التاريخية”، فيما عكست منصات التواصل الاجتماعي الباكستانية حفاوة شعبية مماثلة.

هذه الحفاوة ليست وليدة اللحظة، بل تستند إلى إرث طويل في تاريخ التعاون السوري-الباكستاني، إذ شارك عسكريون وطيارون باكستانيون في دعم سوريا خلال حرب 1973.
وفي تشرين الثاني الماضي، بحث مسؤولون عسكريون من الجانبين بدمشق توسيع التعاون في تطوير القدرات الجوية وبرامج تدريب العسكريين، بما يمهد لاستعادة هذا العمق التاريخي بأدوات المرحلة الجديدة.
لكن أهمية التوقيت تكمن في موقعه بين حدثين: من جهة، الإعلان السوري الأخير عن وجود مواد نووية موروثة من حقبة النظام البائد في موقع غير معلن، والذي أكد الشيباني أنها ستبقى في عهدة الدولة السورية للاستخدامات المدنية والسلمية، تحت ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ومن جهة أخرى، توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان مطلع آب الجاري، التي أعادت التذكير بأن باكستان تملك الردع النووي الوحيد في العالم الإسلامي، وتاريخاً طويلاً من التعاون العسكري مع الرياض تحديداً.
وهنا تجد سوريا التي رحبت رسمياً بهذا الاتفاق، في تجربة إسلام آباد النووية والدفاعية نموذجاً يمكن البناء عليه مستقبلاً في مسار تعاونها المدني مع الوكالة الدولية، فيما تشير قراءات تحليلية متداولة إلى إمكانية استفادة دمشق مستقبلاً من الخبرة الباكستانية في مجالات التدريب والتصنيع الدفاعي.
وتكتسب هذه الرسائل أهمية أكبر بعد الضربة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور، إذ تتزامن إعادة بناء الدولة السورية ومؤسساتها العسكرية مع محاولات إسرائيل منع أي تحول في ميزان القوى داخل سوريا.
ومن هذه الزاوية، فإن توسيع دمشق علاقاتها مع دول ذات وزن استراتيجي، بينها باكستان، يمثل جزءاً من بناء شبكة علاقات قادرة على حماية القرار الوطني السوري سياسياً وعسكرياً.
وهنا، تبدو زيارة إسلام آباد محاولة سورية لاستعادة علاقة راسخة بأدوات جديدة: الدفاع إلى جانب الاقتصاد، والطاقة إلى جانب التعليم، والتنسيق السياسي إلى جانب الانفتاح الشعبي، لتتحول باكستان من صديق تاريخي إلى شريك استراتيجي في مرحلة إعادة بناء سوريا وموقعها الإقليمي.
أسرة التحرير








