مئات مكاتب الحوالات والصرافة التي غزت أحياء دمشق لا نعرف كم منها مرخص وكم يعمل من دون ترخيص كما منها يحول بشكل قانوني.. ويبدو أن بعض هذه المكاتب في أحيائنا لم تعد مجرد نقاط خدمية، بل تحولت إلى “إقطاعيات سيادية” لها حدودها، وعلمها، ودستورها الخاص الذي لا يعترف بغير لغة “الطوابير” و”مزاج الموظف”.
في العرف العالمي، الزبون هو “الملك” الذي تُبذل الجهود لكسب ودّه، أما في عرف مكاتبنا، فالزبون مواطن “مقهور” عليه تقبيل يد الموظف ليحصل على خدمته، تدخل المكتب وكأنك تدخل غرفة تحقيق؛ الشروط جاهزة، والقوانين تُفصّل على قياس “السيستم” والعملة المسلمة على حسب مزاج أمين الصندوق رغم ما تم نقله عن المركزي بضرورة تسليم المؤسسات المالية لمستحقات المواطنين بالليرة الجديدة؟!!
ناهيك عما يتم تداوله عن محاولة بعض هذه المكاتب لاقتناص بعض المكاسب من موضوع استبدال العملة باستخدام أسماء وصور هويات بعض الزبائن ما يذكرنا بما كان عليه الحال قديما عندما تم سحب ملايين من القطع الأجنبي بهويات وأسماء وهمية تسببت بخسارة خزينة الدولة مبالغ مخيفة من القطع الأجنبي لجيبة بعض المتنفذين.. ما يدفعنا إلى وضع هذه الأمر في عهدة الجهات الرقابية!!
نعم الجهات الراقبية التي يتلمس غيابها وغياب هيبتها، وما يثبت ذلك هو تلك الثقة “العمياء” التي يتحدث بها هؤلاء؛ فإذا تجرأت وحاولت تذكيرهم بهيبة “الجهات الرقابية”، يأتيك الرد الصاعق ببرود مستفز: “هل تعرف الطريق إليها أم أدلّك؟”. في هذه الجملة تحديداً، تُذبح هيبة الرقابة على عتبة المكتب، ويُعلن الموظف بوضوح أن “الرقابة” هي آخر ما يخشاه!!

لقد غزت هذه المكاتب شوارعنا كالفطر، لا نعرف “صالحها من طالحها”، ولا “مرخصها من مخالفها”، لكننا نعرف يقيناً أنها أصبحت سلطة فوق السلطة. وهل الجهات الرقابية فعلاً “ضاع معها الطريق” وتحتاج ممن يدلّها على مداخل هذه المكاتب لترى كيف يُذل المواطن أمام شباك الحوالات؟
القصة ليست قصة “حوالة”، بل قصة “هيبة” ضاعت بين شباك الموظف المتعالي، وصمت الرقيب المتغاضي.








