حين تدخل كرة السلة مراحلها الحاسمة، لا تعود المباريات مجرد أرقام تُدوَّن في سجلّات الفوز والخسارة، بل تتحوّل إلى اختبارات حقيقية للروح، وإلى مرايا تعكس شخصية الفرق في لحظات الضغط الكبرى.
مساء غدٍ الجمعة، تنطلق منافسات مرحلة الإياب من الدور النهائي للدوري السوري لكرة السلة «الفاينال 6»، بمشاركة أندية: أهلي حلب، الوحدة، النواعير، الكرامة، الشبيبة، وحمص الفداء، في سباق يبدو أقرب إلى رحلة شاقّة نحو المجد، حيث لا مكان للخطأ، ولا متسع لأنصاف الحلول.
المدرّجات ستتنفّس شغفاً، والصالات ستضجّ بإيقاع التحدّي، لأن الفرق الستة لا تدخل هذه المرحلة بما تملكه من مهارات فنية فقط، بل بما تختزنه من أحلام، وما راكمته من تعب موسم كامل، وما أخفته الأيام من رغبة جامحة في الوصول إلى منصة التتويج.

وفي افتتاح الجولة الأولى، تتجه الأنظار مساء الجمعة نحو القمة المرتقبة التي تجمع أهلي حلب بالنواعير، في مواجهة تحمل كل مقدّمات الإثارة.
أهلي حلب، الفريق الذي بدأ يستعيد توازنه الفني تحت قيادة المدرّب اللبناني جاد الحاج، يدخل اللقاء وهو أكثر نضجاً وثقة، بعدما ظهرت بصمات مدرٍبه واضحة على شخصية الفريق، سواء من حيث الانضباط الدفاعي أم التحوّلات السريعة والقدرة على فرض الإيقاع.
الأهلي يعرف جيّداً أن الطريق نحو اللقب لا يُعبَّد بالسهولة، وخاصة أمام منافس يملك الكثير من الطموح والحلول.
فالنواعير، الذي نجح في تدعيم صفوفه بمحترفين مميّزين، يبدو اليوم فريقاً أكثر انسجاماً وصلابةً، يعتمد على جماعية الأداء وهدوء التعامل مع التفاصيل الصغيرة التي كثيراً ما تصنع الفارق في المباريات الكبرى.
وبين رغبة الأهلي في ردّ خسارة الذهاب التي انتهت لمصلحة النواعير 74-71، وطموح الضيوف لتأكيد تفوّقهم، تبدو المباراة مفتوحة على كل الاحتمالات.
أما لقاء السبت بين الوحدة والكرامة، فيبدو أنه فقد جزءاً كبيراً من بريقه بعد قرار إدارة الكرامة تعليق مشاركة الفريق الأول، والاعتماد على فريق تحت 18 عاماً، احتجاجاً على العقوبات الانضباطية التي تمسّك بها اتحاد كرة السلة. وهكذا، فإن قمة الفيحاء التي اعتادت أن تُشعل المدرّجات بالحماس، ستدخل هذه المرة بثوب مختلف، أقرب إلى مباراة تبحث عن معناها المفقود.
ورغم أن الوحدة يبدو المرشّح الأوفر حظاً، فإن ذاكرة المواجهة السابقة التي انتهت بفوزه 82-81، تُذكّر بأن كرة السلة لا تعترف دائماً بالفوارق، بل باللحظات التي يمتلك فيها فريق ما شجاعة الحسم.
وفي ختام الجولة مساء الأحد، سيكون الموعد مع مواجهة لا تشبه سواها، حين يلتقي حمص الفداء مع الشبيبة، في مباراة تحمل الكثير من الأبعاد النفسية قبل الفنية.
هنا، لا تبدو الحكاية مجرد صراع على نقاط، بل مواجهة بين فريق يسعى لاستعادة بريقه، وآخر يريد أن يثبت أن التراجع ليس نهاية الطريق.
الشبيبة يدخل اللقاء بروح الباحث عن الخلاص من ظلال الأداء الباهت، مدفوعاً برغبة القائمين عليه التي لا تريد فقط انتصاراً، بل تريد أن ترى فريقها يقاتل حتى اللحظة الأخيرة.
أما حمص الفداء، فرغم تراجعه إلى المركز الرابع، فإنه يدخل المباراة بهدوء الواثق من قدرته على العودة، مُدركاً أن الفرق الكبيرة لا تُقاس بعدد الانتصارات فقط، بل بقدرتها على النهوض كلما تعثّرت.
وبين طموح يريد النجاة، وآخر يحلم بالتحليق، تبقى كرة السلة لعبة لا تُؤمن بالمنطق وحده، بل تكافئ أولئك الذين يملكون الجرأة لاقتناص اللحظة حين تصل.
هكذا يبدأ إياب «الفاينال 6»، ليس كمجرد مرحلة جديدة في موسم طويل، بل كحكاية أخرى تُكتب فيها الأحلام على خشب الصالات، وتُختبَر فيها القلوب قبل السواعد.
الوطن










