شكل توقيع سوريا وفرنسا إعلان نيات بشأن استرداد الأموال الناتجة عن مصادرة الأصول غير المشروعة للمجرم رفعت الأسد محطة جديدة في مسار استعادة الأموال السورية المنهوبة، إذ يمهد الاتفاق لأول عملية إعادة لأصول صادرتها محاكم أوروبية بعد ثبوت ارتباطها باختلاس المال العام وغسل الأموال. وجاء توقيع الإعلان بين وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني ونظيره الفرنسي جان نويل بارو، بالتزامن مع إعلان فرنسا بدء إجراءات إعادة 51 مليون يورو من أصول صادرتها محاكمها بعد ثبوت ارتباطها بالمجرم رفعت الأسد، على أن توجه لخدمة الشعب السوري.وبينما يمثل إعلان النيات، الإطار السياسي والقانوني لهذه الخطوة، فإن الملف يمتد إلى سنوات من التحقيقات والأحكام القضائية التي طالت شبكة واسعة من العقارات والاستثمارات والحسابات المالية في فرنسا وإسبانيا ودول أوروبية أخرى. وبدأت التحقيقات الفرنسية في ثروة رفعت الأسد قبل سنوات، بعدما كشفت السلطات عن امتلاكه شبكة واسعة من القصور والفنادق والعقارات الفاخرة في باريس ومحيطها عبر شركات واجهة وأسماء مقربين منه وأفراد من عائلته، دون وجود مصادر دخل مشروعة تبرر هذه الثروة.ففي حزيران 2020 أصدرت محكمة باريس حكماً بسجن رفعت الأسد أربع سنوات بعد إدانته بتهم غسل الأموال واختلاس المال العام السوري والاحتيال الضريبي، مع مصادرة ممتلكاته، قبل أن تثبت محكمة النقض الفرنسية الحكم بصورة نهائية في أيلول 2022، لتصبح أوامر المصادرة واجبة التنفيذ. وبحسب وزارة العدل
الفرنسية، أشرفت السلطات على بيع أصول بقيمة تقارب 47 مليون يورو، بينما قدرت القيمة الإجمالية لممتلكاته في فرنسا بنحو 90 مليون يورو، مع استمرار إجراءات بيع أصول أخرى. ويستند نقل الأموال إلى سوريا إلى القانون الفرنسي الصادر عام 2021، الذي يتيح إعادة الأموال المصادرة الناتجة عن جرائم الفساد إلى الدول المتضررة بما يخدم السكان المحليين، وهو مسار لم يسبق تطبيقه بهذا الشكل قبل الملف السوري. ولا يقتصر ملف رفعت الأسد على فرنسا، إذ تقود السلطات الإسبانية منذ عام 2017 واحداً من أكبر التحقيقات الأوروبية المتعلقة بغسل الأموال، بعد الاشتباه في امتلاك رفعت وأفراد من عائلته شبكة ضخمة من العقارات والاستثمارات. وحدد القضاء الإسباني 503 عقارات مرتبطة بالقضية، قدرت قيمتها بنحو 691 مليون يورو، إلى جانب 76 حساباً مصرفياً خضعت لإجراءات التجميد، بينما تستمر الملاحقات القضائية المتعلقة الأصول بمعزل عن وفاة رفعت الأسد، باعتبار أن إجراءات المصادرة تستهدف الأموال نفسها وليس الشخص فقط. وتوصلت التحقيقات الأوروبية المتعلقة بغسل الأموال إلى أن هذه الشبكة المالية اعتمدت على نقل الاموال عبر شركات وأفراد من العائلة لإخفاء مصدرها الحقيقي، قبل أن تتمكن السلطات القضائية من تتبع مساراتها وإثبات ارتباطها بأموال عامة سورية.
ورغم التقدم الذي تحقق في فرنسا، لا يزال جانب كبير من الأموال المنهوبة موزعاً في دول أخرى، إذ تشير تقارير إعلامية إلى امتلاك أفراد من عائلة الأسد عقارات في موسكو، ووفق تحقيق لصحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية ومنظمة “غلوبال ويتنس” عام2019، فإن العائلة لديها نحو 19 شقة فاخرة في مجمعات سكنية راقية بموسكو، قُدّرت قيمتها بنحو 40 مليون دولار، كما كشفت عن تحويل نحو 250 مليون دولار نقداً إلى روسيا بين عامي2018 و 2019. ووفق تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية رُفع إلى الكونغرس عام 2022، قُدّرت الثروة الشخصية للمجرم بشار الأسد وأفراد أسرته بما يتراوح بين مليار وملياري دولار، مشيراً إلى صعوبةتحديد مصادر الثروة بسبب تنوعها واعتمادها على شبكات اقتصادية وشركات وأصول خارجية.

وفي المملكة المتحدة، تحدثت تقارير عن حسابات مصرفية وأصول مالية مرتبطة بأفراد من العائلة، بينما جمدت السلطات السويسرية في سنوات سابقة حسابات تعود إلى شخصيات مرتبطة بالنظام البائد في إطار تحقيقات غسل الأموال.
كما يواصل محامون وخبراء ماليون في أوروبا العمل على تعقب الأصول المرتبطة بالنظام البائد، بالتوازي مع تعاون قضائي متزايد مع الدولة السورية لاستكمال إجراءات الاسترداد.
وفي هذا السياق، كثفت سوريا خلال العامين الماضيين تحركاتها عبر التعاون مع الشبكة الإقليمية لاسترداد الأصول (مينا-أرين)، ومبادرة استرداد الأموال المنهوبة (STAR)، إضافة إلى تعزيز التعاون القضائي مع عدد من الدول الأوروبية، بهدف تتبع الأصول وإعادتها وفق اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
وبذلك،يفتح إعلان النوايا الموقع مع فرنسا الباب أمام مرحلة جديدة تقوم على تحويل الأحكام القضائية الأوروبية إلى أموال تعود إلى الدولة السورية، في خطوة قد تشكل نموذجاً يمكن البناء عليه لاسترداد أصول أخرى ما زالت موزعة في عدد من الدول، واستعادتها بما يسهم في حماية المال العام ودعم جهود التعافي وإعادة الإعمار.
الوطن– أسرة التحرير








