تتجه العلاقات السورية الأمريكية اليوم إلى محطة جديدة مع اللقاء المرتقب بين الرئيس أحمد الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في العاصمة التركية أنقرة، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو”، في رابع لقاء يجمع الرئيسين خلال فترة قصيرة، ضمن مسار سياسي يعكس انتقال العلاقة بين دمشق وواشنطن إلى مرحلة جديدة من الحوار والتعاون.
ويأتي اللقاء بعد ثلاثة اجتماعات رئاسية شكلت محطات مفصلية في تاريخ العلاقات بين البلدين؛ بدأ أولها في الرياض في أيار 2025 بحضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وكان أول لقاء مباشر بين رئيس سوري ورئيس أمريكي منذ عقود، ثم اللقاء الثاني على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال أيلول 2025، وصولاً إلى اللقاء الثالث في البيت الأبيض خلال زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن في تشرين الثاني من العام نفسه.
وشكلت هذه اللقاءات انعكاساً للتحول الذي طرأ على الموقف الأمريكي تجاه سوريا بعد سقوط النظام البائد في الثامن من كانون الأول 2024، حيث انتقلت العلاقات من سياسة الضغط والعزل إلى مسار جديد يقوم على التواصل السياسي ودعم استقرار سوريا، وتهيئة الظروف أمام التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
وكان ملف العقوبات الأمريكية أحد أبرز الملفات التي تصدرت المرحلة الانتقالية الجديدة، إذ أعلنت الإدارة الأمريكية في حزيران 2025 إنهاء برنامج العقوبات المفروضة على سوريا، مع استمرار الإجراءات المرتبطة بشخصيات النظام البائد والمتورطين بجرائم وانتهاكات، إضافة إلى الجهات المرتبطة بالإرهاب وتجارة المخدرات.
ولم تكن العقوبات الأمريكية على سوريا وليدة الثورة عام 2011، بل جاءت ضمن مسار طويل ارتبط بسياسات النظام البائد ومواقفه الإقليمية، ففي عام 1979 أدرجت الولايات المتحدة سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب إلى جانب إيران وكوبا، ما أدى إلى فرض قيود على المساعدات والتعاون العسكري وبعض التعاملات الاقتصادية.
وخلال العقود اللاحقة، بقيت العلاقات السورية الأمريكية محكومة بالتوترات السياسية، خصوصاً مع اختلاف المواقف حول قضايا المنطقة، والتباعد خلال مرحلة الحرب الباردة، قبل أن تدخل العلاقات مرحلة أكثر صعوبة بعد استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963، لكن شهدت العلاقات بعض محاولات الانفتاح خلال سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي، إلا أن الخلافات عادت إلى الواجهة مع التحولات الإقليمية بعد عام 2000.
وفي عام 2003، أقر الكونغرس الأمريكي “قانون محاسبة سوريا”، الذي فرض قيوداً على الصادرات والتعاملات التجارية، ثم تصاعدت الضغوط بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005، وما تبعه من توتر سياسي وسحب واشنطن سفيرتها من دمشق.
وشكل اندلاع الثورة السورية عام 2011 نقطة التحول الأكبر في مسار العقوبات، إذ انتقلت الولايات المتحدة من استهداف أفراد ومؤسسات محددة إلى فرض إجراءات واسعة طالت قطاعات اقتصادية رئيسة، إضافة إلى تجميد أصول مرتبطة بالنظام البائد وقطع قنوات التواصل الدبلوماسي.
وتوسعت العقوبات خلال السنوات اللاحقة لتشمل داعمي النظام البائد، قبل أن تبلغ ذروتها مع إقرار “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين” عام 2019 ودخوله حيز التنفيذ عام 2020، حيث استهدف قطاعات حيوية وفرض عقوبات على الجهات التي تقدم دعماً اقتصادياً أو عسكرياً للنظام البائد، إضافة إلى قوانين مرتبطة بمكافحة تجارة المخدرات التي ارتبطت بشبكات تابعة له.
وبعد تحرير دمشق، ركزت الدبلوماسية السورية الجديدة على معالجة آثار مرحلة النظام البائد، وفي مقدمتها رفع القيود الاقتصادية، واستقطاب الدعم الدولي لعملية التعافي وإعادة الإعمار، وإعادة بناء مؤسسات الدولة وعلاقاتها الخارجية على أسس مختلفة.
ويختصر مسار العلاقات السورية الأمريكية خلال العقود الماضية انتقالاً بين مراحل متباينة، من التواصل الدبلوماسي المحدود إلى سنوات طويلة من التوتر والعقوبات، وصولاً إلى مرحلة جديدة تقوم على الحوار والانفتاح واستعادة قنوات التواصل المباشر.
الوطن – أسرة التحرير






