ما زال سعر الصرف يشهد انخفاضاً متتالياً، حيث تراجع إلى نحو 137 ليرة، في تطور يثير تساؤلات حول ما إذا كان هذا الانخفاض يعكس تحسناً حقيقياً في الواقع الاقتصادي أم إنه مجرد أثر مؤقت لإجراءات وتدخلات محددة.
في مقاربة لشرح واقع سوق الصرف، يشبّه أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب الدكتور خليل حمدان ما يحدث بحالة ارتفاع حرارة جسم الإنسان، إذ يلجأ كثيرون إلى الكمادات الباردة أو خافضات الحرارة فتتراجع الحرارة مؤقتاً، لكن الطبيب لا يعتبر ذلك دليلاً على الشفاء، لأن انخفاض الحرارة لا يعني أن سبب المرض قد اختفى، فإذا كان السبب التهاباً أو عدوى أو مشكلة صحية لم تُعالج، فإن الحرارة ستعاود الارتفاع بمجرد انتهاء مفعول العلاج المؤقت.
ويرى حمدان أن هذا التشبيه ينطبق إلى حد كبير على سعر الصرف، إذ قد تنجح بعض الإجراءات الإدارية أو التدخلات النقدية في تهدئة السوق أو خفض سعر الصرف لفترة محدودة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد أصبح أكثر قوة أو أن أسباب اختلال سعر الصرف قد انتهت.

وكما أن الطبيب لا يحكم على نجاح العلاج بانخفاض الحرارة لساعات، فإن نجاح السياسة الاقتصادية لا يقاس بانخفاض سعر الصرف لفترة قصيرة، بل بقدرتها على تحقيق استقرار مستدام.
ما الذي يحدد سعر الصرف؟
يوضح حمدان أن سعر الصرف لا يتحدد بقرار إداري فقط، بل يعكس حالة الاقتصاد ككل، إذ يتأثر بالإنتاج المحلي والصادرات والاستيراد ومستويات التضخم والطلب على العملات الأجنبية وحجم الاحتياطيات والثقة بالاقتصاد وبيئة الاستثمار وتوقعات المتعاملين في السوق.
وعندما تتحسن هذه المؤشرات ويتحقق التوازن بين العرض والطلب على العملات الأجنبية، يكتسب سعر الصرف استقراراً حقيقياً ومستداماً، أما إذا بقيت هذه الأسس ضعيفة، فإن أي تحسن قد يكون مؤقتاً مهما بلغت قوة الإجراءات الإدارية.
أهمية الإجراءات وحدود تأثيرها
يؤكد حمدان أن الإجراءات الإدارية ضرورية خلال الفترات الاستثنائية، لما تؤديه من دور مهم في إدارة السوق والحد من المضاربات وتنظيم سوق الصرف وتقليل حالات الذعر والحد من التقلبات الحادة، فضلاً عن منح صناع القرار الوقت اللازم لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية.
إلا أن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الإجراءات من أدوات مؤقتة لإدارة الأزمة إلى بديل دائم عن معالجة أسبابها الاقتصادية، فالإجراءات الإدارية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع بمفردها تحقيق استقرار دائم في سعر الصرف.
مضيفاً: وإذا تكررت التدخلات من دون أن ترافقها إصلاحات اقتصادية حقيقية تعزز الإنتاج والصادرات والاستثمار، فإن أثرها يتراجع مع مرور الوقت، وقد تبدأ الأسواق بفقدان الثقة بقدرة السياسة النقدية على تحقيق استقرار مستدام.
ويرى حمدان أن تراجع الثقة يجعل كل تدخل جديد أقل تأثيراً من سابقه، لأن الأسواق لا تبني قراراتها على الإجراءات المؤقتة وحدها، بل على قناعتها بوجود اقتصاد حقيقي قادر على دعم قيمة العملة على المدى الطويل، فالثقة لا تصنعها كثرة القرارات وإنما تصنعها النتائج.
الاستقرار أهم من الانخفاض المؤقت
وقال: يعتقد البعض أن نجاح السياسة الاقتصادية يقاس بانخفاض سعر الصرف خلال أيام أو أسابيع، إلا أن الواقع الاقتصادي أكثر تعقيداً من ذلك.
فالمستثمر لا يبحث فقط عن سعر صرف منخفض، بل يبحث قبل كل شيء عن الاستقرار،فصاحب المصنع والمستورد والمصدر والمستثمر يحتاجون إلى بيئة تمكنهم من تقدير تكاليفهم وإيراداتهم واتخاذ قراراتهم بثقة، أما عندما يتغير سعر الصرف بصورة متكررة، فإن حالة عدم اليقين ترتفع وتزداد المخاطر وتتراجع الاستثمارات.
ويضيف حمدان أن سعر الصرف المستقر، حتى وإن لم يكن عند المستوى المثالي، قد يكون أكثر فائدة للاقتصاد من سعر منخفض يصل إليه لفترة قصيرة ثم يعاود التقلب بصورة حادة، فالاقتصاد يستطيع التكيف مع سعر معروف ومستقر، لكنه يجد صعوبة كبيرة في التكيف مع سعر يتغير كل يوم. العملة ليست المقياس الوحيد لقوة الاقتصاد
ومن المفاهيم الخاطئة، وفق حمدان، الاعتقاد أن قوة الاقتصاد تقاس بارتفاع القيمة الاسمية لعملته، مضيفاً: الاقتصاد لا يقاس بسعر الصرف فقط، وإنما بحجم إنتاجه وقدرته على التصدير ومستوى إنتاجيته وحجم استثماراته وقوة مؤسساته واستقرار بيئة الأعمال فيه.
ويضرب مثالاً على ذلك بالمقارنة بين اليابان والأردن، حيث إن الين الياباني أقل قيمة اسمية من الدينار الأردني، ومع ذلك تعد اليابان واحدة من أكبر الاقتصادات الصناعية في العالم، ويؤكد ذلك أن القيمة الاسمية للعملة ليست مقياساً لقوة الاقتصاد، بل إن قوة العملة الحقيقية تنبع مما يقف خلفها من إنتاج وتكنولوجيا واستثمار وصادرات وثقة بالاقتصاد.
من أين يبدأ العلاج الحقيقي؟
ويشدد حمدان على أن استقرار سعر الصرف لا يبدأ من سوق الصرافة وحده، بل من الاقتصاد الحقيقي، عبر زيادة الإنتاج وتحسين القدرة التنافسية ودعم الصادرات وجذب الاستثمارات وتحقيق التوازن بين العرض والطلب على العملات الأجنبية وتعزيز الثقة بالاقتصاد وتحقيق التنسيق بين السياسات المالية والنقدية وتهيئة بيئة أعمال مستقرة.
وقال: عندما تتحسن هذه الأسس، يصبح استقرار سعر الصرف نتيجة طبيعية لقوة الاقتصاد، وليس نتيجة تدخلات متكررة في السوق.
ويخلص حمدان إلى أن الطبيب لا يكتفي بخفض حرارة المريض، بل يبحث عن سبب المرض ويعالجه، وكذلك فإن نجاح إدارة سعر الصرف لا يقاس بانخفاضه المؤقت ولا بارتفاع القيمة الاسمية للعملة، وإنما بقدرة الاقتصاد على تحقيق استقرار مستدام قائم على أسس اقتصادية قوية.
ويؤكد أن السياسات الإدارية قد تمنح الاقتصاد وقتاً، لكنها لا تستطيع وحدها بناء اقتصاد قوي أو الحفاظ على استقرار دائم في سعر الصرف، فالعملة لا تستمد قوتها من القرارات، بل من المصانع والمزارع والاستثمارات والصادرات وثقة المستثمرين والمستهلكين بالاقتصاد.








