احتضنت المكتبة الوطنية السورية في دمشق مساء اليوم، محاضرة بعنوان «لهجة الشام.. جذورها وخصائصها»، قدّمها الباحث في اللسانيات وتاريخ اللغة محمود الزيبق، وسط حضور رسمي وشعبي، تناول خلالها نشأة اللهجة الشامية وتطورها وأبرز الخصائص التي تميزها، إلى جانب العوامل والمؤثرات التي ساهمت في تشكيلها عبر التاريخ.
وتوقف الزيبق عند مكانة اللغة العربية وما قدمته للغات والثقافات الأخرى، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن اللهجات باعتبارها ظاهرة لغوية طبيعية، متسائلاً عن مدى صحة النظر إليها بوصفها نقيضاً للفصحى، أم إنها يمكن أن تشكل رافداً ثقافياً ولغوياً يغنيها؟
وفي تصريح لـ«الوطن»، أوضح الزيبق أن اللهجة الشامية تحمل مجموعة من الخصائص التي تميّزها عن العربية الفصحى، مشيراً إلى أن بعض هذه السمات موجود أيضاً في لهجات عربية أخرى، لافتاً إلى أن الشام عرفت وجود القبائل العربية منذ عصور قديمة، معتبراً أن الاعتقاد بأن العرب دخلوا إلى سوريا فقط مع الفتح الإسلامي لا يعكس كامل الصورة التاريخية، إذ إن أقدم ذكر للعرب في التاريخ ارتبط بدمشق، كما عرفت المنطقة حضوراً واسعاً لقبائل عربية مسيحية وشخصيات عربية بارزة.
وأشار إلى أن اللهجة الشامية تأثرت كذلك بلهجات عربية أخرى وبألفاظ دخيلة، نتيجة التفاعل التاريخي بين الجماعات والثقافات، مؤكداً في الوقت نفسه أن استخدام اللهجة المحكية لا يعني بالضرورة الوقوع في الخطأ اللغوي، إذ إن كثيراً من المفردات والتعابير المتداولة في الحديث اليومي يمكن العثور عليها في معاجم اللغة العربية عند البحث في أصولها ودلالاتها.
ورأى الزيبق أن الصراع بين الفصحى والعامية حرب وهمية، موضحاً أن لكل منهما حضورها ووظيفتها وخصوصيتها الثقافية، وأن اللهجات تختزن جانباً مهماً من غنى المجتمع وتنوعه اللغوي.
وفي حديثه عن الإعلام، شدد الزيبق على أهمية استخدام لغة عربية مألوفة وبسيطة وواضحة، والابتعاد عن الغرابة والتقعّر اللغوي، بحيث تصل الرسالة إلى المتلقي بسهولة، وأكد أن الغاية الأساسية من اللغة، سواء في الإعلام أو مختلف أشكال التواصل، هي إيصال المعنى وتحقيق الفهم بين أطراف العملية الاتصالية.
وتأتي هذه المحاضرة بعد لقاء أقامه الزيبق في المكتبة الوطنية أمس بعنوان «ماذا أضافت العربية للغات الأخرى؟»، تناول خلاله أثر اللغة العربية في اللغات والثقافات الأخرى، ودور العلماء العرب والمسلمين في تطوير العلوم والمناهج التي انتقلت معارفها ومصطلحاتها إلى ثقافات مختلفة.
كما استعرض في اللقاء مفهوم النسبية اللغوية وعلاقة اللغة بالتفكير، متوقفاً عند انتقال مفردات عربية إلى لغات أخرى بفعل التبادل التجاري والثقافي وحركة الترجمة، مؤكداً أهمية دراسة التراث العربي والسوري بمنهج علمي متوازن، وتعزيز تبادل المعرفة بين الحضارات.











