المزيد

‫آخر الأخبار:‬

“التراث هوية وطن”.. الباحث خالد فياض لـ”الوطن”: الآثار تشبه كتاباً مفتوحاً للتاريخ

‫شارك على:‬
20

ضمن فعاليات معرض دمشق الدولي، أقامت وزارة الثقافة محاضرة بعنوان “التراث هوية وطن”، قدّمها الباحث خالد فياض للحديث عن أرض سوريا التي شهدت تفاعلاً متواصلاً عبر آلاف السنين بين شعوب وثقافات عدة.

وأكد فياض خلال المحاضرة أن التراث يشكّل ذاكرة حيّة تختزن ما تركه الآباء والأجداد، وتفتح أمام الأجيال الجديدة طريقاً للتعرّف إلى جذورها وهويتها، كما تضع أمامها مسؤولية الحفاظ على هذا الإرث ونقله إلى المستقبل، قائلاً إن التراث لا يقتصر على المباني والمواقع والأحجار، بل يمثل خلاصة تجربة الإنسان في المكان، وما خلّفه من أفكار وأعمال وفنون وعادات وابتكارات.

وأضاف: “عند الحديث عن التراث السوري، فإننا أمام أرض شهدت على مدى آلاف السنين تفاعلاً متواصلاً بين حضارات وشعوب وثقافات متعددة، واحتضنت الإنسان في مختلف أنشطته، من التجارة والزراعة والصناعة إلى الفكر والفن والإبداع”.

وشدد على أن سوريا القديمة كانت شاهدة على محطات مهمة في تاريخ الحضارة الإنسانية؛ ففيها عرفت البشرية الكتابة، وبرزت صناعات وحرف وفنون تركت بصماتها في الذاكرة الحضارية للمنطقة، ومنها صناعة الزجاج التي ارتبطت بمواقع تاريخية عريقة.

كما لفت فياض إلى أن الذاكرة السوريّة تستحضر مدناً ومواقع تحمل شواهد متعددة على هذا التاريخ، من دمشق وحلب إلى تدمر وغيرها من المدن والمواقع الأثرية المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد. فكل مدينة، وكل بناء، وكل حجر، يمكن أن يحمل حكاية عن الإنسان الذي عاش في ذلك المكان، وعن نمط حياته وأعماله وعلاقاته وثقافته.

وفي تصريح خاص لـ”الوطن”، شدد فياض على ضرورة التوقف عند مفهوم الأثر، وعدم النظر إليه باعتباره مجرد بناء قديم أو موقع أثري منعزل عن سياقه التاريخي، مبيناً أن قراءة الآثار تتطلب طرح أسئلة تتجاوز شكل الحجر ومادته إلى الإنسان الذي شيده واستخدمه؛ فمن بناه؟ وكيف شُيّد؟ وما الغاية من إنشائه؟ وكيف عاش الناس من حوله؟ وما طبيعة تجارتهم وحرفهم وأدواتهم؟ وما الفنون التي عرفوها؟ وكيف كانت علاقاتهم الاجتماعية وأنماط حياتهم؟

وتابع: “إن دراسة الأثر لا تنفصل عن دراسة الإنسان نفسه، وهنا تتقاطع الآثار مع علم الأنثروبولوجيا لفهم المجتمعات التي نشأت في هذه الأماكن، وطريقة عيشها وتفاعلها مع محيطها، وبهذه القراءة يتحول الأثر من حجر صامت إلى قصة نابضة بالحياة، ومن معلم جامد إلى وسيلة للتواصل بين أجيال وحضارات متعاقبة”.

وبيّن أنه عند الوقوف أمام مدينة مثل تدمر، لا ينبغي أن نرى الأعمدة والمعابد والشوارع بوصفها مجرد بقايا معمارية، بل أن نحاول قراءة ما وراءها من قصص إنسانية وحضارية، وأن نستعيد من خلالها تفاصيل الحياة التي شهدتها المدينة ذات يوم، وكذلك فإن أوغاريت ليست مجرد موقع أثري، بل محطة حضارية تحمل دلالات مهمة في تاريخ الإنسان والثقافة والكتابة.

وأضاف: “الآثار، بهذا المعنى، تشبه كتاباً مفتوحاً للتاريخ؛ فالكتب تنقل إلينا الماضي عبر الكلمات، بينما تتحدث الآثار من خلال تفاصيلها وموقعها وتصميمها والمواد التي شُيّدت منها، وكلما امتلكنا القدرة على قراءة هذه التفاصيل، أصبح بإمكاننا الاقتراب أكثر من حياة الذين سبقونا، وفهم الحضارات التي تركت بصماتها على الأرض”.

وختم حديثه بسؤال مفتوح: “ماذا يبقى من الإنسان بعد الرحيل؟ ليجيب نفسه: تبقى كلماته وأعماله وذكرياته، وتبقى ملامح حضوره في المكان الذي عاش فيه، وما تركه من أثر وعطاء وإبداع، مؤكداً أنه ومن هنا يصبح التراث جسراً يصل الماضي بالحاضر، وطريقاً يساعدنا على معرفة من نحن، ومن أين جئنا، وما الذي تركه لنا آباؤنا وأجدادنا، والأهم: ما الذي سنتركه نحن للأجيال القادمة”.