ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين من معرض دمشق الدولي، قدّم المحاضر والإعلامي محيي الدين عبد الرزاق محاضرة وورشة عمل حملت عنوان «أثر الصوت»، تناول خلالها أهمية الصوت ودوره في إيصال الرسائل والتأثير في المتلقي، مؤكداً أن الصوت لا يقتصر تأثيره على المجال الإعلامي، بل يمتد إلى مختلف تفاصيل الحياة اليومية، من التعليم والتجارة إلى العلاقات والتواصل الإنساني.
وأوضح عبد الرزاق أن الصوت يمثل عنصراً أساسياً في عمليات البيع والشراء والتعاملات اليومية، كما يؤدي دوراً محورياً في العملية التعليمية، مشيراً إلى أن شغف المتحدث ينعكس مباشرة على تفاعل المتلقي، ولا سيما الطالب، مؤكداً أن المعلّم كلما قدّم معلوماته بصوت يحمل الحماس والإحساس، كان أكثر قدرة على جذب طلابه وإمتاعهم وإيصال المعلومة إليهم.
وأشار عبد الرزاق إلى أن نحو 60 بالمئة من الرسالة الإعلامية يرتبط بالصوت، داعياً الإعلاميين إلى الاهتمام بأصواتهم وتدريبها، واختيار النبرة المناسبة لكل موقف، سواء كانت قوية وأجشّ، أو هادئة ومتزنة، مع منح كل كلمة حقها من الأداء والتلوين.
ولفت إلى أن الثواني الأولى من أي تقرير أو مادة إعلامية قد تكون حاسمة في جذب انتباه الجمهور، موضحاً أن نحو خمس ثوانٍ من القراءة يمكن أن تحدد ما إذا كان المتلقي سيواصل الاستماع والمشاهدة أم سينصرف عن المحتوى.
ووجّه نصيحة إلى الإعلاميين بعدم إهمال أصواتهم، مؤكداً أن الجهد الذي يبذلونه في تطوير أدواتهم اليوم سيحصدون ثماره في المستقبل، وخصوصاً في ظل عالم يتغير سريعاً بفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتناول عبد الرزاق خلال المحاضرة أهمية التمكين الصوتي، محذراً من الرتابة في الأداء، التي قد تدفع المتلقي إلى الشعور بالملل، مؤكداً أن التحدث بنبرة واحدة طوال الوقت يفقد الكلام جزءاً كبيراً من تأثيره.
وفي تصريح خاص لـ«الوطن»، أوضح عبد الرزاق أن إقامة المحاضرة يأتي في وقت بات فيه الذكاء الاصطناعي حاضراً بقوة في مختلف المجالات، مشيراً إلى أن الرسالة الأساسية التي أراد إيصالها تتمثل في التأكيد على أن للصوت أثراً لا يمكن تعويضه بسهولة.
وقال إن تطور الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ، لا يستطيع أن يحل محل الإنسان بصورة كاملة، ولا أن ينقل الإحساس والروح بالطريقة ذاتها، لأن الصوت ليس مجرد كلمات تُقال، وإنما هو مشاعر وحضور ونبرة وتجربة إنسانية.
وأكد أن أثر الصوت يمكن أن يبقى في الذاكرة لسنوات طويلة، حتى بعد غياب صاحبه، مستشهداً بأصوات فنية خالدة، مثل عبدالحليم حافظ وأم كلثوم، اللذين رحلا عن عالمنا، فيما لا تزال أصواتهما حاضرة في وجدان الجمهور العربي.
كما استحضر عبد الرزاق صوت الرياضي الراحل إياد ناصر، مشيراً إلى أن رحيله لا يعني غياب صوته عن الذاكرة، بعدما ترك بصمته في الذاكرة السورية من خلال حضوره وصوته.
كما شدد على ضرورة معرفة طبقات الصوت واختيار النبرة التي تتناسب مع طبيعة الكلمات والموقف، موضحاً أن الأداء الصوتي يحتاج إلى انسجام بين النبرة والحروف وطريقة النطق، ولا سيما عند التعامل مع الحروف المهموسة، التي لا يناسبها بالضرورة استخدام طبقة صوت مرتفعة.
ولفت إلى أن لغة الجسد تؤدي دوراً أساسياً في الإقناع والأداء، وأن تقديم المحتوى الناجح يحتاج إلى تناغم بين الصوت ولغة الجسد والكلمات، مشيراً إلى أن الدراسات تضع الكلمة في مرتبة متأخرة نسبياً من حيث تأثيرها في الإقناع مقارنة بالنبرة ولغة الجسد.
وأكد أن الكلمات التي يتعب عليها الكتاب والأدباء والشعراء لا تستطيع الوصول إلى آذان وقلوب الجمهور بالشكل المطلوب ما لم تُقدّم بصوت سليم، وبنبرات وتلوينات صوتية مناسبة.
واختتم عبد الرزاق رسالته بالتأكيد على أن الإنسان قد ينسى الكلمات التي قيلت له، لكنه غالباً لا ينسى الطريقة التي قيلت بها، مشدداً على أن الناس تنسى ما قلت، ولكنها لا تنسى صوتك.. الصوت هو الأثر.











