يتخذ التصعيد الإسرائيلي في الأراضي السورية بصورة متزايدة طابعاً منظماً يسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، وآخر مظاهره استكمال العمل فيما يسمى “خط سوفا 53” في ريف القنيطرة، بالتوازي مع استمرار التوغلات والأنشطة العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري.
هذا التطور يضع المجتمع الدولي أمام اختبار عملي لمدى قدرته على تحويل مواقفه المعلنة بشأن احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها إلى إجراءات قادرة على وقف هذه الانتهاكات.
وتتجاوز مخاطر ما يسمى “خط سوفا 53” طبيعة الأعمال الهندسية والعسكرية المنفذة، بالنظر إلى موقعه ضمن المنطقة العازلة، وبما تتضمنه من شق طريق عسكري بعرض 8 أمتار، وإقامة سواتر ترابية يصل ارتفاعها إلى 5 أمتار، وإنشاء خنادق ونقاط مراقبة بمحاذاة الجولان المحتل، وبالتالي لا تنفصل هذه الإجراءات عن نمط أوسع من التوغلات والتحركات العسكرية التي تنتهك اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وتحاول تكريس واقع ميداني جديد في الجنوب.
وفي المقابل، حملت ردود الفعل الدولية والإقليمية على استكمال مخطط الاحتلال مؤشراً إلى اتساع دائرة الرفض السياسي لهذه التحركات، فقد أدانت قطر والأردن والكويت ومصر وتركيا الخطوة الإسرائيلية، واتفقت بياناتها رغم اختلاف مواقعها السياسية، على توصيفها باعتبارها انتهاكاً لسيادة سوريا ووحدة أراضيها وخرقاً للقانون الدولي واتفاق عام 1974، مع دعوات واضحة إلى المجتمع الدولي للتحرك وإلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها والانسحاب من الأراضي السورية المحتلة.
وتبرز في هذا السياق أهمية الموقف الأممي، ولا سيما أن نائب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا كلاوديو كوردوني وصف الممارسات العسكرية الإسرائيلية بأنها تهدد الاستقرار السوري، مشيراً إلى عمليات عسكرية وقصف واختطاف وتفتيش يومية تؤثر بصورة مباشرة في حياة السكان.
والأهم في موقف كوردوني أنه ربط معالجة هذا التصعيد بالمسار الدبلوماسي، مؤكداً أن الحل لا يأتي من مبادرات عسكرية أحادية أو وجود مفتوح، وإنما من اتفاقات أمنية تحترم سيادة سوريا وسلامة أراضيها وقرارات مجلس الأمن والقانون الدولي.
ويمنح هذا الموقف سوريا أساساً دبلوماسياً أوسع في مواجهة محاولة تحويل الوقائع الميدانية إلى أمر واقع سياسي، فدمشق لا تطرح قضية “خط سوفا 53” باعتبارها ملفاً منفصلاً، وإنما تضعها ضمن مسار متواصل من الانتهاكات، وتربط مواجهتها بتطبيق اتفاق فض الاشتباك وقرارات الشرعية الدولية، مع مطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته القانونية والسياسية.
وفي موازاة التحرك الدبلوماسي، يأتي تعزيز التنسيق السوري مع قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “الأندوف” في توقيت يرتبط مباشرة بالتصعيد الميداني، إذ بحث الجانبان آليات مراقبة تنفيذ اتفاق 1974 ورصد الانتهاكات والتبليغ عنها، كما يعكس التحرك الشعبي السوري في بروكسل اتساع نطاق التعبير عن رفض الاعتداءات الإسرائيلية، بما يحافظ على حضور قضية السيادة السورية في المجالين السياسي والدولي.
وتشير هذه المعطيات إلى أن التحدي الأساسي لم يعد في تسجيل الإدانات، التي باتت تتكرر من عواصم ومنظمات دولية مختلفة، بل في مدى ترجمتها إلى ضغط سياسي ودبلوماسي فعلي، فاستمرار الأعمال العسكرية الإسرائيلية رغم اتساع الرفض يضع مصداقية منظومة القانون الدولي واختبار قدرة الأطراف المؤثرة على منع فرض الأمر الواقع أمام استحقاق مباشر، فيما تسعى دمشق إلى تثبيت معادلة واضحة: أي ترتيبات أمنية أو تفاهمات في الجنوب لا يمكن أن تكون بديلاً عن احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها والالتزام بالاتفاقات والقرارات الدولية.
أسرة التحرير








