في الوقت الذي تعيش فيه مناطق شمال وشرق سوريا أوضاعاً معيشية وخدمية بالغة الصعوبة، يبرز قطاع التعليم بوصفه مرآة صادقة لفشل ما تسمى “الإدارة الذاتية” التي يهيمن عليها تنظيم “قسد”، فالتدهور التعليمي لم يكن حالة منفصلة أو عابرة، بل جاء متلازماً مع واقع خدمي متردٍّ، شمل الكهرباء والمياه والوقود والصحة، ليشكل معاً حلقة ضغط خانقة على الأهالي، وخصوصاً على فئة الطلاب والشباب.
وقد انعكست الأزمات المعيشية اليومية بشكل مباشر على العملية التعليمية، حيث تفتقر المدارس إلى التدفئة في الشتاء وأبنية متهالكة بلا صيانة وانقطاع مستمر للكهرباء، في وقت تعجز فيه معظم الأسر عن تأمين مستلزمات التعليم الأساسية لأبنائها، نتيجة الفقر وارتفاع تكاليف المعيشة وغياب فرص العمل، وفي ظل هذا الواقع، لم تقدم “قسد” أي رؤية جادة لمعالجة الانهيار التعليمي، بل تعاملت معه بوصفه ملفاً ثانوياً لا أولوية له.
أما التعليم العالي، فلم يكن حاله أفضل، فالجامعات القليلة التي أُنشئت في مناطق سيطرة “قسد” بقيت محدودة الإمكانات، منزوعة الاعتراف الأكاديمي، وفقيرة على مستوى المناهج والبنية التحتية، وهي جامعات عاجزة عن توفير بيئة بحث علمي حقيقية، في ظل غياب المخابر، والمكتبات المتخصصة، والدعم المالي للبحث والدراسات، ومع انشغال الأهالي بتأمين لقمة العيش، باتت متابعة التعليم الجامعي عبئاً إضافياً، يدفع كثيرين إلى ترك الدراسة أو الهجرة.

والأخطر من ذلك، أن هذا الفراغ الخدمي والتعليمي استُثمر لفرض مناهج مؤدلجة، مستمدة من أدبيات حزب العمال الكردستاني الإرهابي ومراكز إنتاجه الفكرية في جبال قنديل، بعيداً عن حاجات المجتمع السوري وتنوعه الثقافي، وبدلاً من تقديم تعليم يساعد الطالب على فهم واقعه المعيش وأسباب تدهوره وسبل النهوض به، جرى تسويق خطاب تعبوي معزول عن هموم الناس اليومية، لا يجيب عن أسئلتهم ولا يخفف من معاناتهم.
وفي مقابل هذا المشهد القاتم، تبرز لحظة التحرير ودخول الدولة السورية إلى المنطقة بوصفها نقطة تحول مفصلية في وعي الأهالي وتطلعاتهم، فقد عبّر كثيرون عن فرحتهم بالخلاص من العبء الثقيل الذي جثم على صدورهم لسنوات، ومن سياسات أنهكت معيشتهم واستنزفت ثرواتهم، وضيّقت آفاق أبنائهم.
لقد دفع أهالي المنطقة ثمناً باهظاً لنهج “قسد”، حيث تلازم التهميش التعليمي مع تردي الواقع المعيشي، فكان هناك ارتباط قسري بين التعليم المؤدلج والحرمان الخدمي، ليُنتج حالة من الإحباط وفقدان الأمل بالمستقبل، لكن مع عودة مؤسسات الدولة أعادت معها أملاً مفقوداً بإصلاح التعليم، وإعادة بناء الخدمات، واسترداد دور المدرسة والجامعة كمكانين للمعرفة لا للتلقين، وللعلم لا للأدلجة، ومع هذه العودة، تتجدد الثقة بإمكانية النهوض من جديد، والشعور بأن أبناء المنطقة ليسوا خارج السياق الوطني، بل شركاء كاملون في مستقبل سوريا.
الوطن








