تسع جلسات عقدتها محكمة الجنايات الرابعة بدمشق في إطار محاكمة المجرم عاطف نجيب، انتهت، كما كان متوقعاً وطبيعياً، بإدانته بالتهم الموجهة إليه والحكم عليه بالإعدام، ليبدأ مسار العدالة الانتقالية خطوة أولى مهمة في طريق إنصاف الضحايا وترسيخ سيادة القانون.
وجاء قرار المحكمة بعد إدانة المجرم نجيب بتهم القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي، والمشاركة في قمع الاحتجاجات السلمية بالرصاص الحي، والمسؤولية المباشرة عن مجزرة المسجد العمري في درعا، إضافة الى اتهامات بالقتل الجماعي الممنهج وتعذيب معتقلين أفضى إلى الموت داخل مراكز الاحتجاز.
ولم يستثن الحكم المجرمين الفارين بشار الأسد وشقيقه ماهر وفهد جاسم الفريج الذي شغل منصب وزير دفاع سابق، إضافة إلى خمسة من رموز النظام البائد، أصدرت المحكمة بحقهم حكماً غيابياً بالإعدام.

وجاءت جلسات محاكمة عاطف نجيب، التي بدأت في الـ26 من نيسان الماضي، ضمن مسار يهدف إلى كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المتورطين وفق الأصول القضائية، فاستمرار المحاكة لنحو أربعة أشهر دليل لا يحتاج إلى إثبات على اتباع المحكمة مساراً قضائياً متدرجاً ينسجم والقوانين الدولية.
وأثبتت التحقيقات وأقوال الشهود تورط عاطف نجيب في التحقيق مع عدد من المعتقلين عقب بداية الاحتجاجات في درعا عام 2011، وتورط فرع الأمن السياسي الذي كان يقوده المذكور باقتحام المسجد العمري مع فروع أمنية أخرى، إضافة إلى قيادته حملة أمنية على المدنيين بدرعا في بداية الثورة السورية والتي سُميت، حينها، “المصيدة”، وفقاً لاستجوابه.
وأوضحت المحكمة لدى إصدارها الحكم أن الأفعال المنسوبة إلى عاطف نجيب، وفقاً للتحقيقات وأقوال الشهود، هي جرائم ضد الإنسانية، مبينة أن “مساهمة المجرم بشار الأسد في هذه الجرائم كانت مساهمة صاحب القرار الأعلى، وسخر لها أجهزة الدولة”.
خبراء ومحامون متخصصون بالقانون الجنائي الدولي وقضايا العدالة الانتقالية، اعتبروا أن استناد محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، في جلسات محاكمة عاطف نجيب وعدد من رموز النظام البائد، إلى قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري يوفر البيئة القانونية المتوافقة مع المعايير والمواثيق الدولية.
وكان اللافت، وفق الخبراء، التزام المحكمة بالقواعد الإجرائية لقانون أصول المحاكمات الجزائية، وهو ما يمثل الضمانة الأساسية لصون حق الدفاع وشفافية المحاكمة، وفي الوقت نفسه أشاروا إلى أن الإجراء المتعلق بإغفال أسماء بعض الشهود لحمايتهم، يُعد من التطبيقات المنسجمة مع الممارسات والقوانين الدولية والمعايير المتبعة في المحاكمات العادلة.
نقطة مهمة أخرى، أثارها بعض الخبراء هي “السرعة غير المخلة” في إجراءات التقاضي التي تُعد حقاً أصيلاً للضحايا، كما أن التريث الإجرائي الذي لوحظ في بعض محطات الجلسات، كان مدروساً ومبرراً باستكمال سماع الشهود وتدقيق طلبات النيابة والدفاع، مع مراعاة إمكانية تطبيق التشريعات الصادرة بأثر مباشر، مثل قوانين العدالة الانتقالية، مادامت الدعوى لم تُحجز للتدقيق.
وتواصل الدولة ومؤسساتها مسار العدالة الانتقالية لإحقاق العدالة وإنصاف الضحايا، عبر محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، وكشف الحقيقة، وضمان حقوق المتضررين وذويهم، بما يرسخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب ويعيد الاعتبار لسيادة القانون.
ويُنظر إلى الحكم الصادر بحق عاطف نجيب، وما تضمنه من إدانة غيابية لعدد من أبرز رموز النظام البائد، محطة قضائية مهمة في هذا المسار، لا سيما أن محاسبة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة تشكل إحدى الركائز الأساسية لأي عملية عدالة انتقالية حقيقية.
الوطن – أسرة التحرير







