شكّلت المسلسلات التاريخية، خلال سنوات انقضت، لبنة أساسية في بناء صورة الدراما السورية، وكان لها الدور الأكبر في توسيع دائرة انتشارها ورفع مكانتها على المستويين المحلي والعربي، ولا سيما أنها تعاملت مع التاريخ على اعتباره مادة فنية ومعرفية، تعرض للناس أمجاد الماضي وتضع بين أيديهم حال الحاضر.
وقدّمت هذه المسلسلات التاريخ حكايات نابضة بالحياة، فيها خليط من السياسة والفكر، والسلطة بالمجتمع، والفرد بالتحولات الكبرى.
كما مثّلت المسلسلات السورية الحالة التاريخية بإتقان وإبهار، مع أسلوب سرد واضح ولغة بسيطة سهلة الفهم، لتسهم في توجيه الأذهان لتاريخنا العربي، وتقدم صورة ونماذج للأجيال عما عاشه العرب القدماء وما قدموه وما وصل إلينا.

وعمل صنّاع الدراما السورية على تحويل حكايات التاريخ إلى مادة تلفزيونية، مستخدمين الإبهار البصري ومتنقلين بين الصحاري والغابات والسهول والوديان، وصولاً إلى اكتشاف قصور المغرب العربي وإسبانيا.
حول ذلك يؤكد الناقد نضال قوشحة أن حضور الدراما التاريخية السورية كان طوال سنوات حدثاً فنياً مهماً، وشكّلت حصة دائمة في مشهدها السنوي، محط اهتمام الكثير من القنوات العربية، مشيراً إلى أنها قدّمت التاريخ من خلال التوثيق الديني لبعض مراحل الدعوة الإسلامية أو استحضار شخصيات تاريخية، منها بالعربية الفصحى والآخر باللهجات المحلية.
وأوضح أن السبب الأهم لغياب الدراما التاريخية اليوم يعود إلى التكلفة العالية لإنتاج هذه الأعمال، والتي تحتم على شركات الإنتاج بذل أموال طائلة في تصميم الديكور والأزياء، فما يتماشى مع عمل عن الخلفاء الراشدين لا ينطبق على عمل عن الأندلس، وكذلك فإن العمل على إنتاج عمل درامي معاصر يمكن إنجازه بإمكانيات الديكور والأزياء الواقعية اليومية في معظم الأحيان، على حين أن ذلك لا يمكن في دراما التاريخ، ناهيك عن الحاجة لعدد كبير من “الكومبارس” والجموع في المعارك، خاتماً أن أكثر فترات تألق الأعمال السورية كانت في الدراما التاريخية، التي بنت سمعة جيدة محلياً وعربياً.
أما السيناريست مروان قاووق فيرى أن معظم ما قُدّم سابقاً من أعمال تاريخية لم تقدم الحقيقة الصحيحة، بل جرى التعديل عليها وصابها الشوائب والتشويه، ولا سيما أن الدراما كانت مسيسة، وتحكمها السلطة وتوجهاتها، آملاً أن تحمل المرحلة القادمة أعمالاً تاريخية حقيقية تنقل الصورة الصحيحة، فالدراما توجّه كما يراد لها من مموليها.
وأكد قاووق أن الإنتاجية الدرامية تعتمد على العرض والطلب، موضحاً أن شركات الإنتاج اليوم تهتم بتحقيق الربح المادي بأقل التكاليف، وذلك لا يتماشى مع إنتاج دراما تاريخية، ناهيك عن إعراض الجمهور اليوم عن المكوث لمتابعة عمل درامي يستمر لثلاثين حلقة أو يزيد بصورة جامدة ومقيتة بعض الشيء وهي طبيعة هذه الفئة من الأعمال، إذ لا يمكن أن تحمل هذه الأعمال الأفكار الطريفة أو تقدم المشاهد الكوميدية بعض الشيء والتي قد تكسر الجمود خلال المتابعة كما في الدراما المعاصرة، وبالتالي باتت هذه الدراما متخصصة بفئة معينة من الجمهور، فواقع الحال تغير اليوم عما كان عليه قبيل عشرين عاماً، وطبيعة “السوشيل ميديا” ربما فرضت على الجمهور الاهتمام بما هو سريع وجاهز ولا يحتاج للبحث والتحليل وما إلى ذلك.
بدوره، قال ممثل الدوبلاج سامر الجندي لـ “الوطن”: “إن غياب الدراما التاريخية سببه طلب السوق للأعمال الاجتماعية وأعمال “الأكشن” التي تتوافق مع المشاهدة على الموبايل، وأعمال الفنان البطل والفنانة البطلة بغض النظر عن الموضوع، فالعمل الآن يشاهد عبر “الريلات” والمقاطع، ناهيك عن الأعباء الإنتاجية لأي شركة قد تتصدى لإنتاج عمل تاريخي من مواقع وملابس وديكور وأجور وإقامات، فبنفس الميزانية تنتج الشركة عملين أو ثلاثة، كما لا نغفل أزمة النص التاريخي الجيد، والعمل التاريخي أصبح كابوساً للمخرجين”.








