يمثّل اعتماد نظام الدفع والتحوّل الإلكتروني خطوة مهمة على طريق تحديث المنظومة المالية والمصرفية، إلا أن نجاحها لن يُقاس بعدد التطبيقات أو أجهزة نقاط البيع، بل بمدى قدرة البنية التحتية المالية والرقمية على توفير خدمة آمنة ومستقرة وقابلة للاستخدام في مختلف الظروف.
وكان مصرف سوريا المركزي أعلن صدور القرار رقم 1124 عن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية العربية السورية، القاضي باعتماد نظام الدفع والتحوّل الإلكتروني، بهدف تطوير منظومة دفع وطنية حديثة وتوسيع خيارات الدفع والتحويل أمام المواطنين وقطاع الأعمال، من دون إلغاء التعامل النقدي أو فرض وسيلة دفع محدّدة.
كما وضع القرار إطاراً لتنظيم وترخيص مقدّمي خدمات الدفع ومقدّمي خدمات النقود الإلكترونية ومشغّلي أنظمة الدفع.
البنية قبل التطبيقات

وفي تصريح لـ«الوطن»، رأى الدكتور مصعب الشبيب عميد كلية المعلوماتية في جامعة إدلب أن نجاح التحوّل الإلكتروني يتطلّب أولاً توفير بنية تحتية رقمية ومصرفية قادرة على استيعاب هذا التحوّل، تشمل شبكات اتصالات مستقرة، ومراكز بيانات آمنة، وأنظمة مصرفية مترابطة، ومنصّات دفع تعمل على مدار الساعة، إلى جانب أنظمة متقدّمة للتحقّق من الهوية ومكافحة الاحتيال والأمن السيبراني وحماية بيانات المواطنين.
وأوضح أن التحدّي في سوريا لا يرتبط بالجانب التقني وحده، إذ لا تزال هناك تحدّيات تتعلّق باستقرار الاتصالات والكهرباء في بعض المناطق، إضافةً إلى تفاوت القدرة على امتلاك الهواتف الذكية الحديثة، وضعف الثقافة المالية الرقمية لدى شرائح من المجتمع.
تحوّل تدريجي لا إلغاء للنقد
وأكد الشبيب أن التحوّل نحو الدفع الإلكتروني يجب أن يكون تدريجياً وواقعيا، يبدأ بالخدمات الأكثر حاجة، مثل دفع الفواتير والرسوم الحكومية والرواتب والتحويلات الداخلية والمشتريات اليومية، مع استمرار إتاحة النقد خلال المرحلة الانتقالية.
وأشار إلى أن نجاح التجربة يحتاج كذلك إلى حوافز عملية، بينها توفير خدمات إنترنت مناسبة الكلفة للمعاملات المالية، وتشجيع المصارف وشركات الاتصالات على تطوير حلول دفع منخفضة الكلفة، وتوسيع انتشار نقاط الدفع لتصل إلى الأسواق والمناطق البعيدة، بالتوازي مع برامج توعية تستهدف المواطنين والتجّار.
الثقة هي الاختبار الحقيقي
وبحسب الشبيب، فإن التحدّي الأهم يبقى بناء الثقة، فالمواطن لن يتخلى عن النقد لمجرد ظهور تطبيق جديد، وإنما عندما يطمئن إلى أن أمواله آمنة، وأنه يستطيع الوصول إليها في أي وقت، وأن الدفع الإلكتروني أكثر سرعة وأقل كلفة وأكثر موثوقية من التعامل النقدي.
إعادة بناء المنظومة
وخلص الشبيب إلى أن الدفع الإلكتروني في سوريا لا ينبغي النظر إليه باعتباره مشروعاً تقنياً قصير الأمد، بل كجزء من إعادة بناء المنظومة المالية وتعزيز الثقة بها، مشدّداً على ضرورة أن يبدأ التطبيق من الإمكانات والظروف القائمة فعلياً، وصولاً إلى منظومة دفع وطنية أكثر كفاءة وشمولاً في المستقبل.
ويؤكد القرار 1124 أن الاتجاه نحو الدفع الإلكتروني لا يعني إلغاء النقد، بل توسيع الخيارات المتاحة وتنظيم سوق خدمات الدفع، وهو ما يجعل نجاح المرحلة المقبلة مرتبطاً بقدرة المؤسسات على تحويل الإطار التنظيمي إلى خدمات فعلية وآمنة ومتاحة للمواطن والتاجر على حد سواء.








