أوضح الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور محمود عبد الكريم لـ «الوطن» أن الأثر الاقتصادي للقرار رقم 1124 لا يتوقف عند إدخال وسائل دفع جديدة، وإنما يمتد إلى خفض كلفة النقد، وتعزيز الشمول المالي، وتنظيم حركة الأموال، وتوسيع نطاق الاقتصاد المنظم، ورفع كفاءة المعاملات، وهي آثار يمكن أن تكون ذات أهمية كبيرة في اقتصاد ما زال يعتمد بدرجة واسعة على التعامل النقدي.
فاتورة يتحملها الاقتصاد
واوضح عبد الكريم أنه يتمثل الأثر الأول للقرار في خفض كلفة النقد، إذ إن طباعة الأوراق ونقلها وحراستها وعدّها وإتلافها تكلف الدول ما بين 0.5 بالمئة و1.5 بالمئة من الناتج المحلي سنوياً.
وإذا اعتمدنا التقدير الرئاسي للناتج السوري لعام 2026، والبالغ بين 60 و65 مليار دولار، فإن كلفة النقد تتراوح بين 300 و 900 مليون دولار سنوياً.
أما إذا اعتمدنا التقدير الأكثر تحفظاً، وهو 20 مليار دولار كما كان الناتج في 2024، فإن الكلفة تتراوح بين 100 و300 مليون دولار.
وفي كلتا الحالتين، فإن خفض هذه الكلفة إلى النصف يوفر مبلغاً يعادل ما بين 1 بالمئة و4 بالمئة من الموازنة العامة البالغة 10.5 مليارات دولار.
وتظهر حدة المشكلة النقدية في سورية، وفق عبد الكريم، من واقع أن المصرف المركزي لم يطبع أصلاً فئتي الليرة الواحدة و5 ليرات، كما طبع كميات قليلة من فئتي 10 و 25 ليرة، لأن كلفة طباعة الورقة تجاوزت قيمتها الاسمية.
والنتيجة أن التاجر يقرّب السعر إلى الأعلى، فإذا كان سعر السلعة 47 ليرة أصبحت 50 ليرة، أي زيادة تبلغ 6.4 بالمئة يدفعها المستهلك في كل عملية شراء صغيرة من دون أن تظهر هذه الزيادة في أي مؤشر أسعار رسمي.
يقلل المعاملات النقدية
وتبرز هنا أهمية المادة الرابعة من النظام، التي أدخلت الحسم المباشر والأوامر المجدولة ضمن خدمات الدفع.
والحسم المباشر يعني أن يوقّع العميل تفويضاً مرة واحدة، ليتم خصم فاتورته تلقائياً كل شهر، وهي أداة تستهدف أكثر المعاملات تكراراً في حياة الأسرة، من الكهرباء والماء والاتصالات إلى الإيجار والأقساط.
وفاتورة الكهرباء وحدها، بسعر 600 ليرة للكيلوواط في الشريحة الأولى و1400 ليرة في الشريحة الثانية، تعني ملايين المعاملات النقدية شهرياً التي يمكن أن تختفي من الشارع دفعة واحدة إذا تحولت إلى الدفع الإلكتروني.
الشمول المالي
الأثر الثاني للقرار هو الشمول المالي، أي وصول المواطن إلى حساب ووسيلة دفع وادخار وائتمان بكلفة معقولة.
ويشير عبد الكريم إلى أن الفجوة في سورية موجودة في العرض لا في الطلب، وتكشف الأرقام حجمها فعدد اشتراكات الهاتف المحمول يبلغ 20.1 مليون خط، أي 77.7 بالمئة من السكان، بينما يبلغ عدد مستخدمي الإنترنت 9.25 ملايين فقط، بنسبة 35.8 بالمئة، مقابل معدل عالمي يقارب 74 بالمئة.
وهذا يعني أن 16.6 مليون سوري خارج الإنترنت، لكن أغلبيتهم يحملون هاتفاً، ما يجعل الهاتف المحمول قاعدة محتملة لتوسيع الوصول إلى الخدمات المالية، أما الشبكة المصرفية فتتكون من 6 مصارف عامة و 15 مصرفاً خاصاً، بأصول تقارب 12 مليار دولار في 2024، تستحوذ المصارف العامة على 69 بالمئة منها.
وهذا يعني 460 دولاراً من الأصول المصرفية لكل مواطن، مقابل عشرات الآلاف في دول الجوار.
ويبلغ متوسط الانتشار 4 فروع و 5 صرافات آلية لكل 100 ألف بالغ، بينما يتراوح المعدل الإقليمي بين 15 و 30 فرعاً وبين 40 و 60 صرافاً، مع بقاء نحو 40 بالمئة من الفروع خارج الخدمة أصلاً.
الوكيل.. توسيع شبكة الخدمات بكلفة منخفضة
وعالج النظام هذه الفجوة بأداة “الوكيل” و”عقد الوكالة”، والوكيل هو من يعمل باسم مقدم خدمة الدفع وبالنيابة عنه لتقديم بعض أو كل خدماته.
وبلغة بسيطة، يمكن أن تتحول البقالية والصيدلية ومكتب الحوالات إلى نقطة خدمة مالية، ما يسمح بتوسيع نطاق الوصول إلى الخدمات المالية من دون الاعتماد حصراً على شبكة الفروع المصرفية.
وتتراوح كلفة فتح فرع مصرفي بين 200 ألف و500 ألف دولار، بينما لا تتجاوز كلفة تفعيل وكيل 300 دولار، أي أقل من واحد بالألف.
وبهذه الأداة يمكن، وفق عبد الكريم، الانتقال من مئات نقاط الوصول إلى عشرات الآلاف خلال ثلاث سنوات.
الحوالات.. تدفق مالي أكبر
أما الأثر الثالث فيتعلق بحركة الأموال، وهو الأثر الأكبر رقمياً، إذ عرّف النظام الحوالات المالية بأنها خدمة يتم فيها استلام الأموال من الدافع من دون ضرورة وجود حساب لديه أو لدى المستفيد، محلياً وخارجياً وينقل هذا النص قطاع الحوالات كله إلى دائرة الترخيص والرقابة.
ويُقدّر حجم حوالات المغتربين بنحو 4 مليارات دولار سنوياً وفق التقدير الرسمي السوري، وبنحو 7 مليارات دولار وفق التقدير الدولي.
وهذا يعني أن تدفقاً واحداً يفوق حجمه كامل مخزون الأوراق النقدية في البلاد، البالغ 3.3 مليارات دولار، بنسبة تتراوح بين 21% و112%.
ولو دخل ربع هذه الحوالات فقط إلى محافظ رقمية، أي ما بين مليار و1.75 مليار دولار، لعادل ذلك ما بين 30% و53% من الكتلة النقدية كلها.
الشرط الذي يبني الثقة
ويرى عبد الكريم أن ما يجعل الناس تقبل باستخدام المحافظ الرقمية هو «حساب الضمان» الذي أوجبه النظام، وهو حساب مصرفي إلزامي باسم الشركة تُفصل فيه أموال العملاء فصلاً تاماً عن أموال الشركة وميزانيتها.
وبالتالي، إذا أفلست الشركة، فإن أموال العملاء لا تدخل في التفليسة، وهو ما يمثل الضمانة الأساسية لحماية أموال المستخدمين.
وتكتسب هذه الضمانة أهمية خاصة، بحسب عبد الكريم، لأنها تشتري ثقة مجتمع خرج من انهيار مصرفي، حيث لا يكفي إقناع المواطن بجدوى الوسيلة الرقمية، وإنما يجب أن يكون مطمئناً إلى مصير أمواله في حال تعثر مقدم الخدمة.
الدفع الإلكتروني والاقتصاد غير المنظم
الأثر الرابع للقرار يتعلق بالاقتصاد غير المنظم، وهو النشاط الحقيقي الذي لا يُسجّل ولا يخضع للضريبة.
فالموازنة العامة البالغة 10.5 مليارات دولار، من ناتج يقدّر بين 60 و65 مليار دولار، تعني نسبة إيرادات تقارب 16%، وهي دون المعدل الإقليمي الذي يتراوح بين 20% و25%.
وفي حالة سوريا، فإن جزءاً كبيراً من هذه الإيرادات ليس ضريبياً أصلاً.
وكل رفع نقطة مئوية واحدة في نسبة الجباية يعني نحو 600 مليون دولار من الإيرادات الإضافية، وهو مبلغ يفوق ست مرات قيمة المنحة الدولية لتحديث القطاع المالي.
ويرى عبد الكريم أن الدفع الإلكتروني هو الطريق الوحيد لتحقيق ذلك من دون رفع نسب الضريبة على اقتصاد يعيش فيه نحو 90% من السكان تحت خط الفقر، إذ إن تسجيل المعاملات رقمياً يوسّع القدرة على رؤية النشاط الاقتصادي الذي كان يجري خارج السجلات الرسمية.
ترفع كفاءة الاقتصاد
أما الأثر الخامس فهو كفاءة المعاملات فكلفة العملية النقدية على التاجر والمصرف معاً تتراوح بين 1% و3% من قيمتها عند احتساب كلفة العد والنقل والفروقات والحراسة في المقابل، تنخفض كلفة العملية الإلكترونية إلى أقل من 0.3% عند بلوغ الحجم الكافي.
لكن الأهم، بحسب عبد الكريم، أن الدفع الإلكتروني يرفع سرعة دوران النقد، أي عدد المرات التي تنتقل فيها الليرة الواحدة من يد إلى يد خلال السنة فإذا انتقلت الليرة اليوم 5 مرات في السنة وارتفع الرقم إلى 8 مرات، فإن ذلك يعادل اقتصادياً ضخ 60% من كتلة نقدية إضافية، أي ما يقارب ملياري دولار، من دون طباعة ورقة واحدة وهذا هو المكسب الحقيقي لبلد خرج من تضخم تجاوز 80% في 2024 إلى نحو 15% اليوم، ولا يحتمل العودة إلى الطباعة.
وبذلك، فإن الأثر الاقتصادي للقرار 1124 لا يقتصر على استبدال الورقة النقدية ببطاقة أو محفظة إلكترونية، بل يمتد إلى كلفة إدارة النقد، وطريقة وصول المواطنين إلى الخدمات المالية، وحركة الحوالات، وحجم الاقتصاد غير المنظم، وكفاءة دوران الأموال.
غير أن تحقيق هذه الآثار يبقى مرتبطاً بقدرة النظام الجديد على جذب المواطنين والتجار إلى استخدامه فعلياً، وليس بمجرد وجود الإطار القانوني. فكلما توسعت قاعدة الاستخدام، ازدادت قيمة البيانات المالية المتاحة، وانخفض الاعتماد على النقد، وارتفعت سرعة دوران الأموال، وأصبح التحول الرقمي جزءاً من النشاط الاقتصادي اليومي بدلاً من أن يبقى إطاراً تنظيمياً جديداً.
وفي اقتصاد تبلغ فيه المدفوعات غير النقدية أقل من 2% وفق أفضل التقديرات، فإن المسافة بين صدور القرار وبين تحقيق التحول الفعلي لا تزال طويلة، لكن القرار 1124 وضع الأساس القانوني الذي يمكن أن يبدأ منه هذا المسار.






