في ظل الضغوط النقدية والتضخم وتراجع القوة الشرائية، تطرح «الوطن» فكرة جديدة للنقاش الاقتصادي تتمثل في تجزئة الراتب الشهري إلى دفعتين نصف شهريتين، أو حتى إلى دفعات أسبوعية في بعض الحالات، ليس بوصفها إجراء إدارياً فقط، وإنما كأداة محتملة لتخفيف الضغط على السيولة والحد من سحب الرواتب نقدا دفعة واحدة، وتشجيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني.
ولمناقشة هذه الفكرة من زاوية أكاديمية ومصرفية، استطلعت «الوطن» رأي الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الذي أكد أن توزيع الراتب على دفعات يمكن أن يخفف ما وصفه بـ«الصدمة النقدية المركزة» التي تحدث عند صرف الرواتب شهريا، محللا انعكاسات الفكرة على السيولة وسلوك الموظفين والدفع الإلكتروني، ومحددا النموذج الأكثر ملاءمة للواقع السوري وشروط نجاحه.
صدمة نقدية

يرى محمد أن صرف الرواتب شهريا دفعة واحدة يدفع أعدادا كبيرة من الموظفين في توقيت متقارب إلى سحب رواتبهم نقدا، ما يخلق ضغطا مركزا على السيولة المصرفية.
وبحسب رأيه، فإن توزيع الراتب على دفعتين يمكن أن يوزع الطلب على النقد زمنيا، ويخفف الضغط على المصارف والصرافات، كما قد يقلل حاجة الموظف إلى سحب كامل دخله والاحتفاظ به نقدا.
دفعات أصغر
ويشير محمد إلى أن توقيت الدخل يؤثر في السلوك المالي، فالدفعة الكبيرة تدفع في كثير من الحالات إلى سحب الأموال والاحتفاظ بها، بينما قد تقلل الدفعات الأصغر والمتكررة الحاجة إلى حيازة النقد، وتفتح مجالا أكبر لاستخدام المحافظ الإلكترونية ووسائل الدفع الرقمية.
كما يمكن أن تساعد هذه الآلية الأسر على توزيع إنفاقها بصورة أكثر انتظاما، بدلا من استنزاف جزء كبير من الدخل في بداية الشهر ثم مواجهة ضغوط مالية في نهايته.
نصف شهري
ويعتبر محمد أن النظام نصف الشهري هو الأكثر توازناً للواقع السوري حاليا، لأنه يخفف الضغط على السيولة من دون أن يفرض أعباء إدارية كبيرة، ويمنح الموظف مرونة أكبر في إدارة دخله.
أما الصرف الأسبوعي، فيرى أنه قد يكون مناسبا لبعض القطاعات، لكنه يحتاج إلى بنية مصرفية ورقمية أكثر تطورا وانتشاراً مما هو متاح حاليا على نطاق واسع.
شروط النجاح
ويشدد محمد على أن نجاح تجزئة الرواتب لا يرتبط بقرار الصرف وحده، وإنما بتوافر بنية دفع إلكتروني فعالة، وثقة أكبر بالجهاز المصرفي، وتحديث أنظمة الرواتب، ونشر الوعي المالي، إضافة إلى تحقيق قدر من الاستقرار في سعر الصرف والتضخم.
ويحذر من أن استمرار التضخم المرتفع قد يدفع الموظف إلى سحب دخله وتحويله سريعا إلى سلع أو أصول تحفظ قيمته، وبالتالي قد يحد من أثر تجزئة الراتب في تقليل الطلب على النقد.
أبعد من موعد الراتب
ويؤكد محمد أن إعادة النظر في دورية صرف الرواتب يمكن أن تكون جزءا من إصلاح نقدي ومالي أوسع، يستهدف تخفيف الضغط على السيولة وتشجيع الدفع الإلكتروني وتحسين إدارة الدخل.
وبذلك، فإن الفكرة لا تتعلق فقط بمتى يتقاضى الموظف راتبه، وإنما بكيفية انتقال هذا الراتب من حسابه إلى السوق، وبأي حجم وبأي وسيلة، ما يجعل تجزئة الرواتب فكرة تستحق النقاش الاقتصادي قبل تحويلها إلى قرار إداري.








