أكد الخبير المالي والمصرفي د. علي محمد أن انتهاء مهلة مراجعة الكونغرس الأميركي لقرار رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل انتهاء إحدى أهم العقبات القانونية والإجرائية أمام استكمال القرار بصورة نهائية، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تتعلق باستكمال الإجراءات الإدارية والتنفيذية داخل وزارة الخارجية والجهات الأميركية المعنية.
وأوضح محمد في حديثه لـ”الوطن” أن تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، المستمر منذ عام 1979، يمثل تصنيفاً سياسياً وقانونياً منفصلاً عن ملف العقوبات المفروضة على سوريا، لافتاً إلى أن جانباً كبيراً من العقوبات أزيل خلال الفترة الماضية، بما في ذلك الإجراءات المرتبطة بقراري 30/6 /2025 و19/12/2025، إضافة إلى إزالة العقوبات المتعلقة بقانون قيصر.
وبيّن أن إزالة العقوبات أتاحت، في بعض الحالات، للمصارف والنظام المالي تقديم خدمات مراسلة مع سوريا، كما سمحت بوجود هامش قانوني للاستثمار الأجنبي، إلا أن استمرار تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب ظل يشكل عائقاً رئيسياً أمام المصارف والشركات والمستثمرين، نظراً لما يفرضه هذا التصنيف من مخاطر وتحفظات إضافية على التعامل مع السوق السوري.

وأشار إلى أن التعاملات التي سمحت بها الإجراءات السابقة كانت في كثير من الأحيان تتم من خلال تراخيص أو استثناءات محددة ومؤقتة، تمتد إلى 60 أو 90 أو 180 يوماً، وتسمح بمبالغ أو أنواع محددة من التعاملات، وهو ما أبقى العلاقة المالية مع سوريا ضمن إطار الاستثناءات، بدلاً من الانتقال إلى التعامل الطبيعي.
ورأى محمد أن إزالة التصنيف ستشكل تحولاً مهماً، لأنها تعني عملياً إزالة الحظر السياسي والقانوني الذي كان يقف أمام أشكال واسعة من الدعم والمنح والاستثمار والتعامل التجاري والمالي مع سوريا، بما في ذلك بعض الصادرات والسلع ذات الاستخدام المزدوج، فضلاً عن مجالات التمويل والدعم التي كانت تخضع لقيود مرتبطة بهذا التصنيف.
وأكد أن الفائدة الأبرز تتمثل في إمكانية اندماج سوريا بصورة أكبر في النظام المالي العالمي، وفتح المجال أمام استثمارات جديدة في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى تدفقات مالية كبيرة لتمويل عملية إعادة الإعمار.
المصارف أمام مرحلة جديدة
وفي الجانب المصرفي، أوضح محمد أن إزالة التصنيف ستبعث إشارة مهمة إلى المصارف الأميركية والأوروبية والدولية بأن سوريا لم تعد مدرجة ضمن قائمة الدول المحظورة أو شديدة التحفظ في التعامل معها، الأمر الذي يمكن أن يخفف من مستويات التحفظ لدى إدارات الالتزام والمخاطر في المصارف العالمية.
وقال: إن ذلك قد يؤدي تدريجياً إلى زيادة عدد المصارف التي تقبل تقديم خدمات المراسلة للمصارف السورية، وارتفاع عدد المصارف الأوروبية التي يمكن أن تتعامل مع الشركات السورية وتتيح لها فتح حسابات مرتبطة بالتجارة الخارجية والصادرات والواردات وغيرها من العمليات المالية.
وأشار إلى أن هذا التحول قد لا يكون فورياً، لكنه يمكن أن يؤدي إلى تعاون مصرفي أوسع وتجاوز تدريجي للعقبات التي كانت قائمة خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن الإشارة الأميركية ستكون ذات أهمية خاصة للمصارف العالمية، باعتبارها تعكس أن التعامل المالي والنقدي مع سوريا أصبح مسموحاً من الناحية الرسمية الأميركية، بشقيها السياسي والمالي.
ولفت إلى أن المصارف السورية والنظام المصرفي ككل بحاجة بالتوازي إلى تحديث واسع، سواء على مستوى البنية الرقمية والإلكترونية أو في مجال تكنولوجيا المعلومات، بما يسمح لمصرف سوريا المركزي والقطاع المصرفي بالانتقال إلى خطوات أكثر تقدماً تتوافق مع المعايير والممارسات المعتمدة عالمياً.
انخفاض مخاطر الاستثمار وتكلفة رأس المال
وفيما يتعلق بالاستثمار، أكد محمد أن إزالة قانون قيصر كانت خطوة مهمة، باعتبار أن القانون كان يفرض عقوبات على الأطراف الثالثة التي تتعامل مع سوريا، وهو ما شكل عائقاً كبيراً أمام المستثمرين الأجانب.
وأضاف: إن إلغاء” قيصر” فتح مساحة واسعة أمام الاستثمار الأجنبي، إلا أن استمرار التصنيف السياسي والقانوني لسوريا كدولة راعية للإرهاب ظل يرفع مستوى المخاطر المرتبطة بالاستثمار في البلاد،، وبالتالي يزيد تكلفة رأس المال.
وأوضح أن ارتفاع تكلفة المخاطر انعكس سلباً على المستثمر من خلال تكلفة التمويل نفسها، إضافة إلى تكلفة التحويلات المالية والتعاملات المصرفية وفتح الحسابات في المصارف الخارجية بالنسبة للشركات والمستثمرين المرتبطين بالسوق السوري.
واعتبر أن الانتقال إلى مرحلة إزالة التصنيف من شأنه أن يخفف تدريجياً من تحفظات دوائر الالتزام والمخاطر لدى المؤسسات المالية العالمية، وبالتالي خفض تكلفة التعامل مع سوريا وتحسين البيئة المصرفية أمام المستثمرين.
وختم محمد بالتأكيد أن الفائدة الأساسية من استكمال رفع التصنيف لن تكون محصورة في الجانب السياسي، بل ستمتد إلى القطاع المصرفي والاستثمار والتجارة الخارجية، من خلال تقليل المخاطر، وتوسيع قنوات المراسلة المصرفية، وتسهيل حركة الأموال، وتهيئة ظروف أفضل لعودة سوريا إلى النظام المالي العالمي بصورة أكثر طبيعية.








