الوطن – أسرة التحرير
في السياسة، ليست كل المكالمات الهاتفية مجرد تبادل للأصوات، فبعضها يكشف ما يجري خلف الأبواب المغلقة، وبعضها الآخر يعلن أن مرحلة جديدة بدأت بالفعل، والاتصال بين الرئيس أحمد الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترامب ينتمي، حسب مصادر متابعة، إلى الشق الثاني، فقد جاء (الاتصال) في لحظة تتقاطع فيها التحولات الإقليمية مع إعادة تشكيل أولويات واشنطن في الشرق الأوسط، ليضيف إشارة جديدة إلى مسار يتبلور تدريجياً بين الجانبين.
قبل ساعات فقط من الاتصال، أعلن ترامب تعيين توماس باراك مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى سوريا والعراق، مع احتفاظه بمنصبه سفيراً للولايات المتحدة في تركيا، ووفق المصادر فإن القرار يُظهر طريقة تفكير مختلفة في إدارة ملفات المنطقة، فالرجل الذي يتحرك بين أنقرة ودمشق وبغداد لا يمثل مجرد مسؤول إضافي في هيكل الدبلوماسية الأميركية، بل يعكس رغبة في جمع ملفات مترابطة داخل رؤية سياسية واحدة.
وفي هذا السياق، يبدو الاتصال بين الرئيسين الشرع وترامب أشبه بترجمة عملية لهذا التوجه، فالنقاش لم يقتصر على العلاقات الثنائية، بل امتد إلى ملفات الأمن الإقليمي ومستقبل الاستقرار في المنطقة، وعندما شدد الرئيس الشرع على أن “رفع ما تبقى من العقوبات يمثل خطوة أساسية لتمكين الاقتصاد السوري من استعادة نشاطه”، فإنه كان يضع أمام واشنطن عنوان المرحلة المقبلة، الانتقال من إدارة الأزمة إلى التفكير في ما بعدها.
هذه النقطة، تحديداً، تكتسب أهمية استثنائية، فعلى مدى سنوات، تمحورت المقاربة الغربية تجاه سوريا حول أدوات الضغط والعقوبات والعزل السياسي، إبان حكم نظام الأسد المخلوع، أما اليوم فإن الخطاب المتداول بات يدور حول التعافي وإعادة الإعمار والاستقرار الاقتصادي، والفارق بين المقاربتين لا يكمن في المفردات فقط، بل في طبيعة الهدف السياسي نفسه.
ومن اللافت أن ترامب ركز، خلال الاتصال، على “أهمية الحفاظ على الاستقرار ودعم جهود التعافي وإعادة الإعمار في سوريا”، وهذه العبارات قد تبدو مألوفة في لغة الدبلوماسية، لكنها تكتسب معنى مختلفاً عندما تأتي متزامنة مع تعيين مبعوث رئاسي خاص، ومع سلسلة مواقف أميركية تتحدث بصورة متزايدة عن فرص الانخراط بدلاً من إدارة القطيعة.
ولم تبقَ أصداء هذا التحول محصورة داخل البيت الأبيض، فقد أثنى عضو مجلس النواب الأميركي جو ويلسون على مسار العلاقات بين البلدين، وقال: إن العلاقات الأميركية – السورية “تتطور في اتجاه إيجابي”، داعياً إلى إزالة تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب بهدف تعزيز الاستقرار والازدهار فيها، فمثل هذه التصريحات تكشف أن النقاش داخل واشنطن بات يركز على دعم سوريا الجديدة.
إن ما يجري اليوم، وفق المشهد العام، يوحي بأن هناك مساراً جديداً ينبثق، تعيين مبعوث رئاسي خاص، واتصال مباشر بين الرئيسين، وحديث متزايد عن الاستقرار وإعادة الإعمار، كلها حلقات في سلسلة واحدة، ولهذا ربما تكون الرسالة الأهم في ما حدث أمس بأن واشنطن ودمشق بدأتا تتحدثان عن المستقبل، وهذه بحد ذاتها لغة سياسية مختلفة تماماً.






