لم يكن السوريون بحاجة إلى دليل جديد على حجم المأساة التي عاشوها خلال فترة النظام البائد، لكن ما تكشف من تفاصيل مروعة حول مصير الدكتورة رانيا العباسي وأطفالها الستة أعاد فتح جرح ظن كثيرون أن الزمن ربما خفف من نزفه، فجأة، عاد السوريون إلى عقود الاستبداد، وعادت صور المعتقلات والمفقودين والمجازر لتتقدم واجهة المشهد الوطني، ليس بوصفها ذكريات، بل باعتبارها حقائق ما زالت تطالب بحقها في العدالة.
الغضب الذي اجتاح وسائل التواصل الاجتماعي مفهوم ومبرر من الناحية الإنسانية، فثلاثة عشر عاماً من الانتظار والأمل والبحث انتهت إلى حقيقة قاسية كسرت قلوب السوريين جميعاً، وكما يقول المثل الشعبي: “النار ما بتحرق إلا محلها”، فإن أهل الضحايا وحدهم يعرفون حجم الألم الذي عاشوه وهم يتشبثون بخيط أمل رفيع طوال هذه السنوات.
لكن سوريا اليوم تقف أمام مفترق طرق حساس، فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بمحاسبة مجرم أو مجموعة مجرمين، بل بكيفية بناء دولة تمنع تكرار الجريمة نفسها مستقبلاً، وهنا تكمن المعضلة الكبرى بين غضب شعبي مشروع وضرورة الحفاظ على منطق الدولة والقانون.
هنا يقدم لنا التاريخ نماذج واضحة، فبعد سقوط النازية في ألمانيا لم تُبنَ الدولة الجديدة على الانتقام الجماعي، وإنما على كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، وتجريم تمجيد الجرائم، وترسيخ الوعي المجتمعي بها، وفي جنوب أفريقيا لم يكن الانتقال من نظام الفصل العنصري إلى الدولة الديمقراطية ممكناً دون لجان حقيقة ومساءلة كشفت ما جرى وأعادت الاعتبار للضحايا، أما في أوروبا الشرقية بعد انهيار الأنظمة الشمولية، فقد لجأت دول كثيرة إلى العزل السياسي لمن تورطوا في أجهزة القمع ومنعهم من إعادة إنتاج السلطة بأشكال جديدة.
وهذا ما يجعل قضية رانيا العباسي أكبر من مجرد ملف جنائي، إنها جزء من سؤال وطني واسع: كيف يمكن لسوريا أن تضمن ألا يعود القتلة أو المبررون أو المدافعون عن الجرائم إلى التأثير في مستقبل البلاد؟ ومن هنا تبرز أهمية المحاسبة وأن مسؤولية الجريمة تقع على مرتكبيها ومن شارك فيها ومن غطاها وبررها.
إن العدالة الانتقالية لا تعني الثأر، لكنها أيضاً لا تعني النسيان ولا الانتقام الجماعي، كما لا تسمح بإغلاق الملفات تحت شعار “الذي فات مات”، فالدماء التي سالت في الحولة والبيضا والغوطة والتضامن وصيدنايا وآلاف المواقع الأخرى والمقابر الجماعية المتناثرة ليست أحداثاً عابرة في كتاب التاريخ، بل جراح مؤسسة للوعي الوطني السوري الجديد.
لقد أظهرت ردود الفعل الشعبية على وسائل التواصل حجم الاحتقان المتراكم في المجتمع السوري تجاه القتلة والمجرمين، وأثبتت أن ملف المفقودين ليس قضية إنسانية فحسب، بل قضية سياسية ووطنية من الدرجة الأولى، وكلما تأخرت العدالة ازداد الغضب واتسعت مساحة الشائعات، وتراجعت ثقة الناس بقدرة المؤسسات على إنصافهم.
والسوريون اليوم لا يطلبون المستحيل، بل يريدون أن يروا الحقيقة كاملة، وأن يعرفوا مصير المفقودين، وأن يمثل كل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء أمام القضاء، وأن تتحول ذاكرة الضحايا إلى جزء من ذاكرة الدولة لا إلى مجرد منشورات عابرة.
وفي قضية رانيا العباسي وأطفالها الستة، لا يبكي السوريون عائلة واحدة فقط، بل يبكون جزءاً من أنفسهم، ولذلك فإن العدالة هنا ليست مطلباً عاطفياً، بل شرط سياسي وأخلاقي لبناء سوريا الجديدة، فالدول قد تنهض من تحت الركام، والاقتصادات قد تتعافى، والمدن قد تُعاد إعمارها، لكن الأوطان التي تهمل حقوق ضحاياها تبقى معلقة بين الماضي والمستقبل.
ولهذا السبب، فإن الطريق إلى الاستقرار لا يمر عبر النسيان ولا عبر الانتقام، بل عبر العدالة، والعدالة وحدها هي التي تجعل دماء الضحايا جسراً نحو الدولة، لا وقوداً لجولات جديدة من الألم والانقسام.
الوطن – أسرة التحرير






