أكد الرئيس أحمد الشرع أن سوريا تعمل عبر المسار الدبلوماسي على تجنيب البلاد الانخراط في الصراعات الإقليمية ومنع اتساع رقعة الحرب، مشدداً على أن السياسة السورية الجديدة تقوم على البحث عن الحلول وإقامة علاقات متوازنة، بالتوازي مع التركيز على البناء والاستقرار والتنمية وجذب الاستثمارات وإعادة الإعمار، مع التمسك بحق سوريا في الجولان المحتل.
وقال الرئيس الشرع، في مقابلة مع قناة “الجزيرة”: إن المنطقة كانت تاريخياً موضع أطماع وصراعات، وإن المطلوب اليوم أن تكون لها سياسة خاصة وشخصية مستقلة، بعيداً عن السياسات الإسرائيلية أو الإيرانية، مشيراً إلى أن إسرائيل لديها مطامع في المنطقة، وأن سوريا تعمل على الوصول إلى اتفاق أمني معها بمشاركة مجموعة كبيرة من الدول للضغط باتجاه تبنّي سياسة متوازنة تجاه سوريا.
وأكد الرئيس الشرع أن دمشق تتجنب الدخول في صدامات مع إسرائيل، لأن ذلك ليس من مصلحة سوريا، داعياً إلى البحث عن مقاربات أكثر أماناً لشعوب المنطقة وإتاحة الفرصة لها للنمو والازدهار، وعدم تكرار التجارب السياسية السابقة التي لم تؤد إلى نتائج ناجحة.
وأوضح الرئيس الشرع أن مستقبل العلاقة مع إسرائيل مرتبط بحسن تنفيذ كل مرحلة، مبيناً أنه في حال نجاح الاتفاق الأمني والتزام إسرائيل وسوريا بشروطه، فإن ذلك قد يمهّد لمرحلة ثانية من الحديث عن سلام شامل، من دون التنازل عن أحقية سوريا في الجولان المحتل.
وأشار الرئيس الشرع إلى وجود عقبات أمام الاتفاق الأمني، في ظل عدم هدوء ظروف المنطقة واستمرار بعض الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية، مؤكداً أن سوريا تمارس عملاً دبلوماسياً كبيراً بمشاركة دول إقليمية ودولية بهدف تقليل الأضرار والدفع باتجاه الحلول السلمية.
وفي الشأن الفلسطيني، قال الرئيس الشرع إن سوريا أيدت إنشاء الدولة الفلسطينية، وصوتت العام الماضي إلى جانب الحملة التي قادتها المملكة العربية السعودية وفرنسا بهذا الاتجاه، مؤكداً وقوفها مع المسار العربي والاتفاقيات الملزمة دولياً المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
وفيما يتعلق بالعلاقات العربية، قال الرئيس الشرع: إن سوريا ستكون جزءاً من القرار العربي الواسع، في إطار الاتفاقيات المنظمة ضمن جامعة الدول العربية والملزمة للدول العربية، مؤكداً أن العلاقات مع العراق جيدة وتشهد تحسناً.
وأوضح أن هناك مصالح مشتركة كبيرة بين سوريا والعراق، إذ يحتاج كل منهما إلى موارد الآخر، مشيراً إلى الروابط التاريخية والاجتماعية والعشائرية بين الشعبين، ومشدداً على ضرورة بناء العلاقات بين البلدين على أسس صحيحة، ومن خلال القنوات الرسمية والحكومات.
وأشار الرئيس الشرع إلى وجود مخاوف سورية من انتشار فصائل عراقية على الحدود لا تنضبط تحت القانون العراقي، مؤكداً أن سوريا تتخذ تدابيرها بهذا الخصوص، كما أوضح أن دمشق عملت خلال الفترة الماضية على التواصل مع الحكومة العراقية وشرح مخاوفها، ولا سيما في ظل التحذيرات من تكرار سيناريو عام 2014، مؤكداً أن الرسائل السورية وصلت بشكل إيجابي.
وأوضح الرئيس الشرع أن “عقلية الانتقام لا تبني الدول”، وأن المسؤولية الملقاة على عاتق القيادة السورية تفرض التفكير الاستراتيجي، بعيداً عن الانتقام والتفكير المرحلي، مشدداً على أن سياسة سوريا تقوم على البناء والاستقرار والتنمية، وأن ذلك يتطلب رسائل إيجابية وعلاقات حسنة مع جميع الدول.
وأكد أن المصداقية كانت من أهم أسباب نجاح العلاقات السورية، داخلياً وخارجياً، موضحاً أن دمشق لا تنظر إلى السياسة باعتبارها “لفاً ودوراناً” أو انتهازية، بل باعتبارها مصداقية تولّد الثقة، مشيراً إلى أن سوريا كانت واضحة وشفافة مع جميع الأطراف، وتقف على مسافة واحدة من الجميع، وتشرح مخاوفها بصراحة.
وحول الحرب في المنطقة، قال الرئيس الشرع إن سوريا حاولت خلال السنة والنصف الماضية تجنيب نفسها الدخول في الصراع الأميركي الإسرائيلي الإيراني، معرباً عن خشيته من اتساع رقعة الحرب، ومشيراً إلى أن طريقة إدارة الصراع من مختلف الأطراف قد تدفع إلى توسّعه.
وأشار الرئيس الشرع إلى أن جزءاً من المتصدّرين في الحرس الثوري الإيراني يعتقدون أن لهم أحقية في الخليج العربي، ويظنون أنه “خاصرة رخوة”، مؤكداً أن الخليج العربي ليس كذلك، ومشيراً إلى وجود أطماع مرتبطة بعوامل تاريخية وسياسية، وأعرب عن أمله في التوصل إلى حلول تحول دون اتساع نطاق الحرب، مع ضرورة استعداد المنطقة بشكل أكبر لمواجهة المخاطر المحتملة.
وأكد الرئيس الشرع أن سوريا حاولت خلال الفترة الماضية عدم الانخراط في الحرب، وأنها لا تأمل اتساعها إلى حرب إقليمية، مشيراً إلى تعرّض قاعدة كانت تضم قوات أميركية سابقاً للقصف، لكنه أكد أن التأثيرات على سوريا بقيت محدودة حتى الآن.
وحول العلاقات الخليجية، وصف الرئيس الشرع العلاقات السورية الخليجية بأنها جيدة واستراتيجية، مشيراً إلى أن سوريا كانت وجهة للدول الخليجية، وأن هناك بيئة ومصالح مشتركة تربط سوريا بالأردن والعراق ودول الخليج، مؤكداً أن مبادرات خليجية حسنة أسهمت في تنشيط الاقتصاد السوري، وأن الاستثمارات بدأت بالعمل على الأرض.
وأوضح أن الاستثمارات تحتاج إلى وقتها الطبيعي لإجراء الدراسات وتنفيذ المشاريع بالشكل الصحيح، مؤكداً حرصه على نجاح أي استثمار يدخل إلى سوريا، سواء من دول الخليج أم غيرها، لأن فشل أي استثمار قد يؤثر في تدفق استثمارات أخرى.
وأشار إلى وجود استثمارات في مشاريع الطاقة والمطارات والعقارات والسياحة، بينها استثمار سعودي في أحد المطارات واستثمار قطري تركي في مطار آخر، إضافة إلى مشاريع عقارية لتوسعة دمشق وحلب ومدن أساسية، ومشاريع سياحية في تدمر والساحل السوري واللاذقية وطرطوس وأرياف دمشق.
ولفت إلى أن سوريا تناقشت مع الدول الخليجية بشأن إعادة النظر في قوانين الاستثمار وإصلاح المنظومة القانونية والمصرفية، معتبراً أن أكبر استثمار يمكن أن تقدمه دول الخليج لسوريا هو الاستفادة من التجارب الإيجابية وتجنّب الأخطاء التي وقعت فيها.
وأضاف الرئيس الشرع: إن هناك مشاريع يجري بحثها، منها ربط أنابيب النفط العراقي وتصديره عبر بانياس، مع محاولة ربطه بطرابلس للاستفادة من هذه الحصة الاستثمارية لمصلحة لبنان، إضافة إلى مشاريع لمحطات تكرير النفط وإنتاج المشتقات النفطية وشبكات الأنابيب الداخلية بين الحقول والمصافي.
وفي الشأن الاقتصادي، قال الرئيس الشرع: إن حسن الإدارة هو الذي يحقق عوائد جيدة للبلد، مشيراً إلى أن سوريا تمر بمرحلة “إغلاق الفراغات”، وأن بعض المؤشرات قد تبدو كبيرة في السنوات الأولى لأنها تعكس معالجة الثغرات وليس نموّاً حقيقياً فقط، مؤكداً أن الاتجاه العام للاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح.
وأوضح الرئيس الشرع أن حجم الاحتياج في سوريا كبير، وأن أثر التحسّن لن يظهر بشكل واضح إلا بعد سد نسبة كبيرة من هذا الاحتياج، مشيراً إلى أن الفساد وتجارة المخدرات وتراجع الإنتاج والخدمات والطاقة تركت إرثاً ثقيلاً، وأن نحو 3700 خط إنتاج جديد دخل الخدمة في سوريا منذ بداية عام 2025 وحتى تاريخ المقابلة، مع استمرار ارتفاع العدد، إضافة إلى مشاريع للطرقات وإعادة تأهيل البنية التحتية في القرى والبلدات المدمّرة، وإصلاح المشافي ومشاريع الطاقة وإعادة تأهيل الحقول النفطية.
وحول تجربة إدلب، قال الرئيس الشرع: إن الخدمات فيها كانت تقدّم بشكل أفضل، رغم محدودية الإمكانات ووجود نحو أربعة ملايين نسمة، مشيراً إلى تنفيذ مشاريع للطرقات ومدينة صناعية ومدينة سكنية وشوارع وأسواق ومولات، ضمن نموذج اقتصادي مصغّر حقق نتائج إيجابية.
وفيما يتعلق ببناء مؤسسات الدولة، قال الرئيس الشرع: إن العمل بدأ منذ اللحظة الأولى لتحرير سوريا على إعادة تأهيل المؤسسات، لكن الإصلاح يحتاج إلى وقت، وقد يكون أصعب من البناء من الصفر، مشيراً إلى العمل على الحكومة الإلكترونية والتحوّل الرقمي وتغيير ثقافة التعامل داخل مؤسسات الدولة، مع التركيز على الخدمات الأساسية والأولويات.
وأكد أنه لا يمكن حل جميع المشكلات دفعة واحدة، بل يجري التعامل معها وفق الأولويات، مشيراً إلى أن الدولة تعمل على معالجة كل مشكلة على حدة وبشكل متوازن.
وحول شكل النظام السياسي، قال الرئيس الشرع: إن سوريا تدفع باتجاه مشاركة الناس في اختيار حكامهم والقوانين اللازمة لإدارة شؤونهم، مشيراً إلى أن مجلس الشعب الحالي بدأ جلساته، معتبراً أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح، مؤكداً أهمية الحريات والاستفادة من النماذج السياسية والتجارب الاقتصادية العالمية ما يتناسب مع الواقع السوري، من دون استيراد نماذج جاهزة.
وفي ملف إعادة الإعمار، قال الرئيس الشرع: إن السوريين قادرون على إعادة بناء بلدهم، مشيراً إلى أن ملايين السوريين عادوا خلال السنة والنصف الماضية، وأن أعداداً كبيرة من النازحين واللاجئين زارت سوريا أو استقرت فيها، مؤكداً أن الفرص الكبيرة ستصبح متاحة في سوريا، وأن عودة السوريين ستكون تدريجية مع استمرار التحسّن.
وحول ملف المفقودين، أوضح الرئيس الشرع أن هيئة خاصة شُكلت للبحث عن المفقودين وفق معايير دولية، واستفادت من تجارب دول مرت بمآس مشابهة، وتعمل وفق أنظمة وقوانين وبمهنية، وبالاستعانة بخبرات دول أخرى في مجال البحث الجنائي.
وأكد أن حجم الفقد كبير والأرقام صادمة، واصفاً ما جرى في سجون النظام البائد بأنه أمر مرعب، ومشدداً على حق ذوي الضحايا في الغضب والتساؤل ومعرفة مصير أبنائهم، مع التأكيد على أن الدولة تعمل ضمن الأنظمة والقوانين لتحقيق العدالة، وأن من وقع عليه الظلم له الحق في العدالة وليس في إيقاع الظلم بالآخرين.
وقال الرئيس الشرع: إن الدولة هي “ولي الدم”، ولها الحق في إنفاذ القانون وتحقيق العدالة واسترداد الحقوق والحفاظ على السلم الأهلي.
وفي الملف الكردي، شدد الرئيس الشرع على ضرورة التفريق بين تنظيم “قسد” والمكّون الكردي، موضحاً أن الأكراد مجتمع كبير منتشر في مناطق عدة من الجغرافيا السورية، وأن جزءاً منهم حُرم حقوق المواطنة في عهد النظام البائد، مؤكداً أن الدولة عملت على معالجة هذا الملف وأصدرت مرسوماً لإتاحة حق المواطنة والجنسية، إلى جانب الاعتراف بالهوية والحقوق الثقافية، واعتماد عيدهم الوطني عيداً وطنياً.
وأشار الرئيس الشرع إلى أن “قسد” تنظيم حمل السلاح وظهر في ظروف معينة في شمال شرق سوريا مع انتشار تنظيم داعش ودخول التحالف الدولي، وأن دمشق سعت إلى حل متوازن وفصل قضية التنظيم عن القضية الكردية، موضحاً أنه جرى توقيع اتفاقات عدة لم يتم الالتزام بها، قبل التوصل إلى اتفاق أخير، مشيراً إلى وجود بطء في تنفيذه، لكنه أكد استمرار الرهان على إنجاحه.
وفيما يتعلق بالوضع الداخلي، أكد الرئيس الشرع أن الدولة تبذل كل ما تستطيع لتجنب التصادم والحرب، مشيراً إلى أن آثار حكم استمر ستين عاماً، ومصالح بعض الجهات المرتبطة بالمخدرات أو السلاح أو الاحتماء بالطائفة أو العرق، تجعل بعض المصالح تختلط، لكنه شدد على وضوح مسار الدولة، مؤكداً أن جميع الدول التي تواصلت معها دمشق تؤيد وحدة الأراضي السورية واحتكار الدولة للسلاح.
وحول هوية سوريا، قال الرئيس الشرع إن “هويتها سوريا”، مؤكداً أن البلاد ستكون على الصورة التي تليق بتاريخها وحضارتها ومستقبلها، محذراً من إدخال عناوين فلسفية متعددة في تعريف الهوية السورية ما قد يؤدي إلى التشتت.
وقال: إن المسار الذي سلكته سوريا خلال السنة والنصف الماضية بدأ يظهر تأثيره، وإن البلاد تستعيد دورها الطبيعي، مستندة إلى موقعها الجغرافي وثقافتها وغناها بالموارد البشرية وقدرتها على السياسة وإدارة شؤونها.
وفي ختام حديثه عن النهضة الاقتصادية، قال الرئيس الشرع: إن تحقيق نهضة اقتصادية شاملة يحتاج في الظروف الطبيعية إلى نحو 20 إلى 25 عاماً حتى تظهر نتائجه، مستشهداً بتجارب دول مثل سنغافورة ورواندا وتركيا ودول مجلس التعاون الخليجي، لكنه أكد أن المهم هو أن يكون النمو في مسار تصاعدي، وأن التحسّن سيظهر بشكل مرحلي وتراكمي، معرباً عن اعتقاده بأن سوريا يمكن أن تصل إلى مرحلة تشابه فيها نماذج ناجحة وربما تتفوق على كثير منها.
الوطن – أسرة التحرير




