محكمة الجنايات الرابعة بدمشق تبدأ جلستها السادسة من محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

السحب الناقص… نهاية الاستبدال وبداية التحدّيات

‫شارك على:‬
20

يصعب الاختلاف على أن استبدال العملة كان خطوة ضرورية، سواء لأسباب تتعلق بإخراج الأوراق النقدية القديمة من التداول، أم لتحسين جودة النقد المتداول، أو لإعادة تنظيم الكتلة النقدية، لكن نجاح هذه العملية يبقى محكوماً بقدرة السياسة النقدية على نقل المواطن من مرحلة إلى أخرى من دون أن يتحمل هو كلفة هذا الانتقال.
اليوم، ومع انتهاء مرحلة الاستبدال والانتقال إلى مرحلة سحب العملة القديمة، بدأت تظهر مجموعة من التحدّيات التي تستحق المعالجة السريعة، لأن استمرارها قد يضعف الثقة بالإجراءات، رغم أهمية أهدافها.

يتمثّل أوّل هذه التحدّيات في انتقال المواطن من نظام يحصل فيه على نقد جديد مباشرة مقابل حيازاته من العملة القديمة، إلى نظام يقوم على إيداع قيمة الأوراق في حساب مصرفي بعد التدقيق والموافقة.

هذا التحوّل، وإن كان يبدو منطقياً من الناحية التنظيمية والرقابية، فإنه يصطدم بواقع مصرفي مختلف، إذ لا تزال معظم المصارف تطبّق سقوفاً يومية على السحوبات النقدية بسبب محدودية السيولة.

وهنا تبرز المفارقة، فالمواطن الذي كان يمتلك سيولة نقدية بين يديه، قد يجد نفسه بعد انتهاء الإجراءات يمتلك رصيداً مصرفياً لا يستطيع الوصول إليه بالسرعة أو الحرية التي يحتاجها.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن المال الذي لا يمكن استخدامه عند الحاجة يفقد جزءاً من قيمته العملية، حتى لو بقي محفوظاً محاسبياً داخل الحساب.

كما أن اشتراط تحويل قيمة الأوراق إلى حساب مصرفي يفترض أن جميع المواطنين يمتلكون حسابات مصرفية، بينما تشير طبيعة السوق السورية إلى أن نسبة كبيرة من التعاملات لا تزال تعتمد على النقد المباشر، وأن الشمول المالي ما زال محدوداً، لذلك فإن ربط عملية السحب بالحسابات المصرفية يجب أن يترافق مع تسهيل فتح حسابات مبسّطة وسريعة ومنخفضة التكاليف، حتى لا يتحوّل الشرط التنظيمي إلى عائق أمام المواطنين.

أما التحدّي الثاني، فيتعلق بحصر عمليات السحب  بمصرف سوريا المركزي في دمشق، وهو ما يفرض على المواطنين في المحافظات تكاليف نقل وإقامة قد تتجاوز أحياناً قيمة المبالغ التي يرغبون في استردادها، وخصوصا بالنسبة إلى أصحاب الحيازات الصغيرة.

وعندما تصبح كلفة الوصول إلى الخدمة أعلى من قيمة الخدمة نفسها، فإن كثيرين سيختارون ببساطة عدم الاستفادة منها، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام نشوء سوق سوداء لتبديل العملة القديمة مقابل عمولات يجنيها بعض المستغلين.

ويرتبط التحدّي الثالث بشرط الحد الأدنى البالغ مئة ورقة نقدية لتقديم طلب السحب، فرغم أن الهدف منه قد يكون تساؤلات حول أوضاع صغار الحائزين، ولا سيما إذا كانت حيازاتهم موزّعة بين فئات مختلفة، لذلك فإن إعادة النظر في آلية احتساب هذا الشرط ضرورة، حتى لا يتحوّل إلى سبب في فقدان المواطنين حقوقهم.

وتبقى الفئات النقدية الصغيرة إحدى أبرز القضايا التي تم تجاهلها خلال عملية الاستبدال، فخروج الفئات القديمة الصغيرة من التداول بالتزامن مع عدم توافر الفئات الجديدة المناظرة لها يعيد مشكلة “الفكة” إلى واجهة المشهد، وهذه القضية لا يمكن اعتبارها شكلية، لأن الاقتصاد اليومي يعتمد على وجود هيكل نقدي متكامل يبدأ من أصغر الفئات وينتهي بأكبرها، وأي خلل في هذا التسلسل ينعكس مباشرة على عمليات البيع والشراء والتسعير، وقد يدفع إلى التقريب الإجباري للأسعار، أو استغلال بعض البائعين غياب الفئات الصغيرة للتقريب إلى الأعلى، بما يسهم في زيادة الضغوط التضخمية، ويفرض كلفة إضافية يتحملها المستهلك في كل عملية شراء صغيرة.

ومع ذلك، فإن هذه التحدّيات لا تعني التشكيك بجدوى عملية استبدال العملة، وإنما تؤكد أن نجاحها يتطلب استكمالها بحزمة من الإجراءات العملية، وفي مقدمة هذه الإجراءات، توسيع نقاط استقبال طلبات السحب لتشمل فروع مصرف سوريا المركزي في المحافظات، أو تفويض عدد من المصارف العامة بهذه المهمة، بما يخفّف الأعباء عن المواطنين.

كما يمكن السماح لبعض الجهات الحكومية ذات التعامل النقدي الكثيف، مثل المخابز ومحطات الوقود وباصات النقل العام، بقبول العملة القديمة وتسليمها دورياً إلى المصارف، إلى جانب إعادة النظر في شرط الحد الأدنى لعدد الأوراق، أو استبداله بحد أدنى للقيمة، والإسراع في طرح الفئات النقدية الصغيرة الجديدة لسد النقص في السوق، فضلاً عن إعادة تقييم سياسة سقوف السحب تدريجياً كلما تحسنت مستويات السيولة، حتى لا تتحول الحسابات المصرفية إلى مجرد أرقام غير قابلة للاستخدام، بما يرسخ ضعف الثقة بالمنظومة المصرفية.

في النهاية، فإن الإصلاح النقدي لا يكتمل بإصدار عملة جديدة فقط، بل بقدرة المواطنين على استخدامها والوصول إليها بسهولة وثقة، فالثقة هي رأس مال أي سياسة نقدية، وكل إجراء يخفف الأعباء عن المواطنين ويعزّز سهولة التعامل مع النظام المصرفي، هو استثمار مباشر في استقرار العملة ونجاح الإصلاح الاقتصادي.

أما إذا بقيت الثغرات الحالية من دون معالجة، فإن كلفة الإصلاح النقدي ستقع في النهاية على الفئات الأقل دخلاً، وهي الفئات التي يفترض أن تكون الأكثر حماية خلال أي عملية إصلاح اقتصادي.