Opens in a new tab
المزيد

‫آخر الأخبار:‬

السويداء بين أوهام الرهان الخارجي وحقائق المصالح.. ماذا تكشف رسائل واشنطن؟

‫شارك على:‬
20

لم تكن تصريحات المبعوث الأميركي توم براك الجمعة توضيحاً عابراً، بل رسالة سياسية مباشرة تنسف وهم الحماية الخارجية، وتؤكد أن الدولة السورية هي المرجعية الوحيدة لأبناء السويداء، وتزامن ذلك مع نشر مقطع مصوّر لناشط درزي فلسطيني، يحذّر فيه من التعويل على إسرائيل.
فقد نفى براك بشكل قاطع أن يكون أحد شيوخ الدروز حاصلاً على دعم أميركي، ووصف هذا الادعاء بأنه “خاطئ تماماً”، وقال: إن ما يقلقه في الجنوب السوري هو شيخ يستغل وهم الدعم الإسرائيلي لاضطهاد دروز آخرين، لا إسرائيل نفسها.
ودلالة هذا الكلام أن واشنطن لا تريد أن يُرفع اسمها غطاءً لمشاريع الانفصال، وهي تعيد التأكيد على بقاء السويداء جزءاً من سوريا موحّدة ذات سيادة، وعلى عودة الدولة لبسط سيطرتها على المحافظة، وهو ما شدّد عليه براك في حديثه عن خريطة الطريق الثلاثية.
وهنا تتضح الحكمة السياسية للدولة السورية، التي ترفض الانجرار إلى مواجهة تخدم من يريدون إبقاء الجنوب ساحة مفتوحة.
وفي المقابل، تبرز الدلالات السياسية لتصريحات براك بشأن الكبتاغون، إذ أشار إلى تحوّل السويداء إلى مركز لتصنيع المخدّرات والاتّجار بها، وما يتيحه ذلك من مصادر لتمويل التسليح، رابطاً بذلك أمن الجنوب بملف السلاح والاقتصاد غير المشروع، بوصفه تحدّياً يتجاوز الخلافات المتعلّقة بالتمثيل السياسي والهوية المحلية، ويمتد إلى أمن سوريا ودول الجوار.
وتتزامن هذه الرسائل مع فيديو لناشط درزي فلسطيني يتهم إسرائيل بخيانة الدروز، ويقول إنها “استغلتهم واستخدمتهم كأدوات ثم رمتهم”، وتكتسب هذه الشهادة دلالتها لكونها صدرت من أصحابها، وتتصل بحقائق موثّقة، منها أن ما يسمّى “قانون القومية” الإسرائيلي لعام 2018 أثار احتجاجات واسعة بين دروز فلسطين، رغم خدمتهم العسكرية الإلزامية منذ عام 1956، وأن اللغة العربية فقدت فيه صفة اللغة الرسمية.
ويكتسب هذا الفيديو أهمية تتجاوز مضمونه المباشر، فالناشط يتحدّث عن التضييق على استخدام اللغة العربية والاستغلال وفقدان الأرض، محذّراً من أن أبناء الطائفة باتوا في خطر، كما تعيد شهادته التذكير بأن العلاقات بين الجماعات والدول لا تُقاس بالشعارات وحدها، بل بما توفّره من حقوق وضمانات فعلية.
والدرس هنا قديم قدم المثل القائل “أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض”، فمن يراهن على من يستعملهم أداةً سيجد نفسه خارج الحسابات حين تتغيّر المصالح، أما أبناء جبل العرب فتاريخهم الوطني أبلغ من أي ادّعاء ويبقون جزءاً أصيلاً من النسيج المجتمعي السوري، وفي الحكمة الشعبية: “ما حكّ جلدَك مثلُ ظفرك”، أي إن السويداء لا يحميها إلا بيتها الوطني.
لذلك فإن الاختبار الحقيقي في السويداء ليس المفاضلة بين راعٍ خارجي وآخر، بل بناء علاقة مستقرة مع الدولة والمجتمع على أساس المواطنة المتساوية.
وبالتالي فالمطلوب مسار يعيد القرار الأمني إلى المؤسسات الوطنية، ويحمي سائر السوريين من الاستغلال والتخويف، ويمنع تحويل الانتماء الطائفي إلى مدخل للتدخّل الخارجي، فالأمن الذي يستند إلى وعود الآخرين يبقى رهناً بتبدل مصالحهم، أما الأمن القائم على الحقوق والمواطنة وسيادة القانون فيمنح السوريين فرصة تقرير مستقبلهم بأنفسهم.
وخلاصة القول: إن الرسالة الأميركية والرسالة القادمة من الداخل الفلسطيني تلتقيان على نتيجة واحدة، هي أن الرهان على الخارج خسارة محقّقة، وأن طريق السويداء يمر عبر دمشق وحدها.

أسرة التحرير

‫مواضيع:‬