مع عودة الخبرات الطبية السورية إلى سوريا بعد التحرير يعد الطبيب “عامر الخضاري” من الخبرات الطبية الهامة التي حمل كل ما اكتسبه من خبرة طبية وتجارب عملية في جراحة الأعصاب وجاء إلى وطنه ليشارك في حملة شفاء 4، لبلسم آلام من تقطعت بهم السبل، وللوصول إلى علاج يعيد لهم الأمل في الحياة، وفيما يلي حوار مع الطبيب “الخضاري”
*حدثنا عن العملية النوعية التي أجريتموها للطفلة في مشفى حمص الجامعي
** هذه العملية كانت استئصالاً لورم دماغي لطفلة كانت تعاني من نوبات تشنجية، وأظهرت صور الرنين المغناطيسي وجود ورم دماغي ملاصق للمنطقة الحركية المسؤولة عن حركة الأطراف، هذا الموقع يجعل الجراحة من أدق عمليات جراحة الدماغ، لأن أي خطأ بسيط قد يؤدي إلى ضعف أو شلل حركي، لذلك كان لا بد من التخطيط الدقيق واستخدام أحدث التقنيات الجراحية لضمان أعلى درجات الأمان، وقد استغرقت العملية نحو ٤ ساعات، وتم استئصال الورم بنجاح مع الحفاظ على الوظائف العصبية، وكانت حالة الطفلة بعد العملية مستقرة ولم تظهر لديها أي اختلاطات عصبية جديدة.
* لماذا تُعد هذه العملية من العمليات النوعية؟
** تميزها يعود إلى عدة أسباب، أولها أن الورم كان في منطقة دماغية عالية الحساسية وقريبة جداً من المركز الحركي، وثانيها أنها أُجريت باستخدام جهاز الملاحة العصبية لأول مرة في مشفى حمص الجامعي، وهو ما سمح بتحديد مكان الورم بدقة متناهية والوصول إليه عبر أصغر فتحة جراحية ممكنة مع المحافظة على النسيج الدماغي السليم. هذا يمثل نقلة نوعية في مستوى جراحة الأعصاب في المشفى.
*ما أهمية استخدام الملاحة العصبية؟
**الملاحة العصبية يمكن تشبيهها بجهاز GPS داخل الدماغ، فهي تعتمد على دمج صور الرنين المغناطيسي مع موقع أدوات الجراح أثناء العملية بشكل لحظي، ما يسمح بمعرفة الموقع الدقيق للورم وحدوده في كل لحظة. وهذا يؤدي إلى زيادة دقة الاستئصال، وتقليل أذية المناطق الوظيفية المهمة، وتصغير حجم الفتحة الجراحية، وتقليل المضاعفات، وتحسين سرعة تعافي المريض.
*ما أهمية هذه العمليات بالنسبة لسوريا؟
** هذه العمليات تثبت أن الجراحة العصبية المتقدمة يمكن أن تُجرى داخل سوريا عندما تتوافر الكفاءات والتجهيزات المناسبة، الهدف ليس فقط إجراء عملية ناجحة، وإنما نقل التكنولوجيا والخبرة وبناء كوادر وطنية قادرة على الاستمرار في تقديم هذه الخدمات مستقبلاً، بحيث لا يضطر المرضى للسفر خارج البلاد للحصول على هذا النوع من العلاج.
*كيف تقارن نسب النجاح بين سوريا والدول الغربية؟
** عندما تتوافر ثلاثة عناصر رئيسية، وهي الجرّاح المدرب، والتجهيزات الحديثة، والفريق الطبي المتكامل، فإن نسب نجاح العمليات الجراحية تكون قريبة جداً من المراكز العالمية، الفارق الحقيقي غالباً لا يكون في مهارة الأطباء السوريين، وإنما في توفر التكنولوجيا والإمكانات واستمرارية التدريب، وما شاهدناه خلال الحملة يؤكد أن الكوادر السورية تمتلك مستوى علمياً ومهنياً عالياً، وعند توفير البيئة المناسبة تستطيع تحقيق نتائج تضاهي أفضل المراكز العالمية.
*كيف تقيّم القطاع الصحي في سوريا؟
** القطاع الصحي يمر بمرحلة إعادة بناء بعد سنوات طويلة من التحديات، توجد كوادر طبية متميزة تمتلك خبرات كبيرة، لكن هناك حاجة مستمرة إلى تحديث الأجهزة، وتوفير المستلزمات الطبية، وتعزيز برامج التدريب. ما لمسناه خلال الحملة هو وجود رغبة حقيقية لدى الأطباء والكوادر الصحية للتطوير والتعلم، وهذا يمثل نقطة قوة مهمة يمكن البناء عليها.
*ماذا وجدتم خلال مشاركتكم في حملة شفاء 4؟
** وجدنا تعاوناً كبيراً بين كوادر المشفى وأطباء الحملة، وروح عمل جماعية هدفها الأول خدمة المريض، كما لمسنا شغفاً كبيراً لدى الأطباء المقيمين للتعلم واكتساب الخبرة العملية، ولذلك حرصنا على إشراكهم في جميع مراحل العمل، بدءاً من العيادات والتشخيص، مروراً بوضع الخطة الجراحية، ثم المشاركة داخل غرفة العمليات، وانتهاءً بمتابعة المرضى بعد الجراحة. وهذا هو جوهر الحملة، لأنها لا تقتصر على إجراء العمليات، وإنما تهدف إلى نقل المعرفة وبناء خبرات محلية مستدامة.
*ما الرسالة التي تود توجيهها؟
** رسالتي أن الاستثمار الحقيقي في القطاع الصحي هو الاستثمار في الإنسان؛ في تدريب الأطباء، وتحديث التجهيزات، وتعزيز التعاون بين الخبرات السورية في الداخل والخارج. ما تحقق اليوم هو بداية لمسار طويل نطمح من خلاله إلى تقديم أحدث العلاجات داخل سوريا، وأن يصبح المريض السوري قادراً على تلقي العلاج المتقدم في بلده بأعلى المعايير الطبية.






