انطلقت مساء اليوم الأحد، فعاليات الدورة الأولى من مهرجان “دمشق الدولي للشعر العربي” على خشبة دار الأوبرا في دمشق، في مشهد ثقافي بهي جمع بين الحضور الرسمي والدبلوماسي والجماهيري الغفير، إلى جانب نخبة من الشعراء العرب الذين احتضنتهم العاصمة في عرس شعري استثنائي.
وافتُتح الحفل بعرض برومو سياحي جال حارات دمشق القديمة، أعقبه تقديم أغنية “القصيدة السورية” من كلمات كل من خالد المحيميد وإبراهيم جعفر وموسى سويدان، وغناء الفنان مالك نور.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد وزير الثقافة محمد ياسين صالح، أن دمشق تعيد اليوم اكتشاف مكانتها الطبيعية كمنبع للشعر، لكن في فضاء سوري جديد يقوم على التعدد والانفتاح، لا على الإقصاء.
وقال: “نقف اليوم على إرث عمالقة الشعر من حسان بن ثابت والبحتري إلى جرير والمتنبي، مروراً بأحمد شوقي وبشارة الخوري ومحمود درويش ونزار قباني، الذين أنشدوا قصائدهم تحت سماء دمشق وردد قاسيون صداها”.
وأضاف: “بعد عقود من الحرمان، تسترد الشام مكانتها الشعرية، وتستضيف شعراءها في لحظة فارقة يعود فيها الشعر إلى مدينته، ليجوبوا معاً ربوع سوريا الكبيرة، عارفين قدرها ودورها التاريخي في كتابة ديوان العرب”.
وشدد على أن دمشق الأصالة والعراقة والتجدد، وليست تلك التي حاول البعض تحويلها إلى أنشودة سوداء، فقد أخفقوا وهُزموا، وبقيت قلوب الشعراء تخفق حباً لها، تترقّب لحظة حريتها.
وركّز صالح على أن المهرجان، في نسخته الأولى، يمثل محطة تأسيسية لتقاليد ثقافية جديدة، إذ تؤكد وزارة الثقافة من خلالها أن العمل الثقافي يقوم على جوهر إنساني نبيل، يكرّس حسن الأخلاق، ويجعل من سوريا وطناً للقانون والانضباط، حيث لا أحد فوق القانون، خاتماً بأن القصيدة هي أجمل ما يضع اللغة في إطارها الصحيح، ونريد من فعالياتنا أن تكون نقاط تراكم، حتى نصل إلى سوريا التي تليق بنا وبكم.
وفي تصريح لوسائل الإعلام، عبّر وزير الثقافة عن سعادته البالغة بنجاح المهرجان في جمع شعراء وأدباء من 15 دولة عربية، واصفاً اللقاء بأنه استعادة ثقافية وحضارية لموقع دمشق الريادي، كما يليق بسوريا وأهلها.
وأكد أن الكمال والإتقان ليسا مجرد شعارات، بل أخلاقيات تسعى الوزارة لتجسيدها في كل فعالياتها، مشيراً إلى أن الشعر قادر على أن ينسج من اللغة أثواباً تليق بجمالها، وأن الهدف الأسمى هو صناعة ما يستحق بسوريا.
من جانبه، أكد محافظ دمشق في تصريح مماثل، أن العاصمة تعود اليوم إلى حضارتها وعراقتها التاريخية، فهي التي احتضنت على مر العصور العديد من الحضارات، واليوم تعود لتتصدر المشهد الثقافي من جديد، مرحّباً بجميع الزوار والضيوف والشعراء القادمين من حوالى 15 دولة عربية، داعياً إياهم للمشاركة في هذا الاحتفاء بالشعر بنسخته الأولى، التي لن تكون الأخيرة.
ووصف المحافظ أجمل ما شهده المهرجان، بأنه الاجتماع والاستمتاع بتنوّع الشعر العربي بأنماطه كافة، من الفصيح والنبطي إلى شعر النثر وغيره، مؤكداً أن محافظة دمشق تعمل بالتعاون مع وزارة الثقافة على التحضير للعديد من الفعاليات التي من شأنها إعلاء مكانة الثقافة والمثقف والفن والأدب، لأن دمشق مهد الثقافة والحضارة.
ووجّه وزير الثقافة الشكر والتقدير لعدد من الشخصيات الأدبية والفكرية التي وقفت إلى جانب سوريا وجراحها، مبرزاً أدوارهم الريادية، ومن بين المكرّمين، الشاعر اللبناني شوقي بزيع، الناقد السوري خلدون الشمعة، الباحث السعودي عبد الله الغزامي، الشاعرة الكويتية سعاد الصباح، الدبلوماسي القطري حسن النعمة، والإعلامي الكويتي مشعل الزعبي، والشاعر القطري علي المسعودي.
وفي تصريح خاص لـ”الوطن” قال شوقي بزيع: “دمشق التي تلقّت الخبرات واحتضنت تجارب نزار قباني وسليمان العيسى، هي ذاتها التي ستحافظ على احتضانها للحداثة الشعرية، والقصيدة العمودية ستأتي يوماً وتنتصر على نفسها، لتكون خيارًا بين الخيارات لا الخيار الأوحد”.
وأشار إلى أنه قادم من الجنوب اللبناني المهدّم، مشدداً على أن مقاومتنا تأسست منذ مئات السنين، وحمل رايتها شعراء الجنوب، ودمشق ستكون مقاومة بالمعنى الجوهري للكلمة، موضحاً أن العلاقة بين بيروت ودمشق لا تُقاس بالمسافات، بل بتنفّس القلب وحنين الروح، مستشهداً بفيروز التي عقدت عذوبتها على ياسمين الشام، وبأشعار سعيد عقل وعشرات المبدعين السوريين الذين أسهموا في مشروع بيروت النهضوي، معتبراً أن برهان التوءمة بين المدينتين لا يكمن في مواقف السياسيين، بل في الجغرافيا الطبيعية والإبداع المشترك.
وتابع: “فوجئت بأن أكون اليوم هنا، وما أجمل عودة الشعر إلى الشام، فهي الجذر للأماكن والأيام، الموهبة التي لا تعبق بياسمينها السماوي هي موهبة ناقصة”.
من جهته، أعرب خلدون الشمعة عن تأثره بعودته إلى سوريا بعد غياب نحو خمسين عاماً، قائلاً: “هذه البداية هي إبحار لإعادة سوريا إلى دورها الطبيعي، عدنا إلى سوريا وعادت إلينا بدقائقها وثوانيها، ببهائها الذي لا يُعلَى عليه، عودتي إلى بلادي التي أعرفها وتعرفني، بعد فراق نصف قرن، لا توصف، عدت إلى دمشق لأن وزارة الثقافة، في ظل مشروع التغيير، أعادتها إليّ”.
ووصف دمشق بأنها ساعة خارج الزمن بالنسبة له وللمغتربين، خاتماً بأن ما يتجاوز قرناً من الزمن كان لحظة خاطفة.












