“الجار القريب خير من الأخ البعيد”، هذا المثل العربي قديم، لم يعد مجرد حكمة شعبية في العلاقات السورية- الأردنية، بل بات قاعدة من قواعد الجغرافيا السياسية، إذ تعكس زيارة نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي إلى دمشق على رأس وفد وزاري رفيع المستوى، انتقال العلاقات السورية -الأردنية من مرحلة النوايا والتفاهمات إلى مرحلة التنفيذ العملي وترجمة التوافقات إلى مشاريع ومؤسسات وشبكات مصالح مستدامة.
وفي الموروث البدوي يقال: “الدرب الذي تكثر عليه الخطا لا تأكله الرمال”، وخلال العامين الأخيرين، بدت الخطوات السورية -الأردنية وكأنها ترسم درباً جديداً بين دمشق وعمّان، درباً لا يقوم على ردود الفعل أو معالجة الأزمات الطارئة، بل على تأسيس شراكة طويلة الأمد تحكمها المؤسسات والمصالح المتبادلة، ولهذا تحديداً يكتسب مجلس التنسيق الأعلى بين البلدين أهمية استثنائية، لأنه ينقل العلاقة من رهان الأشخاص إلى استدامة المؤسسات، ومن المزاج السياسي المتبدل إلى آليات عمل دورية ومنتظمة.
ويرى مراقبون أن الأهمية الأعمق لهذه العلاقة تكمن في أن الطرفين أدركا حقيقة استراتيجية باتت أكثر وضوحاً في الشرق الأوسط الجديد؛ فالدول باتت تتنافس على تعزيز موقعها في خرائط التجارة والطاقة والنقل وسلاسل الإمداد، وهنا تحديداً تبرز قيمة سوريا والأردن لكونهما يجلسان اليوم على واحد من أهم الطرق المحتملة في المنطقة.

لذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يضم الوفد الأردني وزراء المياه والنقل والصناعة والتجارة، فالسياسة هنا لم تعد تبحث عن عناوين عامة، بل عن أدوات تنفيذ، وعندما ينتقل الحوار من البيانات السياسية إلى ملفات المعابر والطاقة والمياه واللوجستيات والاستثمار، فهذا يعني أن البلدين يناقشان شكل العقد الاقتصادي القادم بينهما، لا شكل البيان الختامي التالي.
وفي جانب آخر، فإن ملف الحدود لم يعد يُقرأ فقط من زاوية الأمن، بل من زاوية التنمية أيضاً، فالحدود الآمنة هي حدود جاذبة للاستثمار والتجارة، وكما يقول أهل البادية: “إذا أمنت الطريق وصل الرزق”، ولهذا فإن التعاون في مكافحة التهريب وضبط الحدود لا يخدم الأمن الوطني للبلدين فحسب، بل يخلق بيئة مستقرة تسمح بازدهار الحركة الاقتصادية وعودة المعابر إلى أداء دورها الطبيعي بوصفها شرايين حياة لا خطوط تماس.
لذلك يرى مراقبون أن ما يجري بين دمشق وعمّان اليوم يتجاوز تحسين العلاقات الثنائية بالمعنى التقليدي، ليقترب من بناء نموذج عربي جديد قوامه المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل والتنسيق المؤسسي المستدام، وبالتالي تمثل هذه العلاقة التبادلية التشاركية نموذجاً عربياً لما يمكن أن تفعله السياسة حين تنصت لصوت المصالح بدلاً من ضجيج الخلافات، فالجيرة وحدها لا تصنع الشراكة، لكن حسن استثمارها هو ما يصنع المستقبل.
الوطن – أسرة التحرير








