استضاف المركز الثقافي في أبو رمانة بدمشق، بالتعاون مع غرفة زراعة دمشق، محاضرة حملت عنوان “العلامة محمد كرد علي وغوطة دمشق”، قدّمها الباحث الدكتور محمود الحسن، وسط حضور تفاعلي لافت أثرى أجواء اللقاء بالأسئلة والمداخلات القيّمة.
واستعرض الحسن أبرز محطات حياة المفكر الدمشقي الكبير، متوقفاً عند بداياته الأولى في دمشق، حيث انطلق في رحلة شاقة لنهل العلم بين حلقات المدارس ومجالس العلماء، قبل أن يوسع آفاقه بإتقان اللغتين التركية والفرنسية، ليدخل مبكراً عالم الترجمة والصحافة، في مسار تأسيسي جعل منه لاحقاً أحد أعمدة الفكر والتنوير في العالم العربي.
وأضاء الباحث على الدور التاريخي لكرد علي في تأسيس “المجمع العلمي العربي” بدمشق عام 1919، الذي جاء استجابة لحاجة ماسة لتعريب العلوم والمصطلحات الحديثة، وربط اللغة العربية بمسيرة التطور العلمي، بينما فتح باب النقاش أمام الحضور لتناول دور المجمع في تعريب العلوم وأهمية تقاريره السنوية الموثقة.

ولم تغفل المداخلات الإشادة برؤية كرد علي التربوية، وجهوده في تحقيق التراث العربي، واعتداله الفكري والديني، الذي جعل منه نموذجاً فريداً في المشروع النهضوي العربي.
وفي تصريح خاص لـ”الوطن”، كشف الدكتور محمود الحسن أن حياة الراحل كرد علي تشكّل منهلاً ثرياً بالدروس والأفكار، مشدداً على ضرورة إضاءة هذه المسيرة وعرضها أمام الباحثين وعامة الناس، خاصة أنه واحد من أبرز الدمشقيين الذين تركوا بصمة لا تُمحى.
وأوضح أن كرد علي كان يولي أهمية خاصة لغوطة دمشق، داعياً إلى زيارتها والتمتع بخيراتها وظلالها ومياهها وهوائها، مذكّراً بأنها كانت ملهمة للملوك والخلفاء والشعراء على مر العصور، الذين تغنوا بجمالها في أشعارهم وحكاياتهم.
وأشار الباحث إلى أن سكان الغوطة ينتمون إلى العرق العربي، ومعظمهم من “الغساسنة” قبل الفتح الإسلامي، مبيناً أن المنطقة تميزت باندماج الوافدين الجدد في نسيجها الاجتماعي بسرعة.
أما على الصعيد الأخلاقي، فأكد أن كرد علي وصف أهل الغوطة بأنهم مجتمع قيمي يستند في عمقه إلى الإسلام ومبادئه، ويتميز بالالتزام الأخلاقي في شؤون الحياة والعمل.
من جانبه، أشاد مدير مركز أبو رمانة الثقافي عمار بقلة، في تصريح لـ”الوطن”، بالمحاضرات القيّمة التي يقدمها الدكتور الحسن، معتبراً أن ما تم عرضه يُمثل أهم ما كُتب عن غوطة دمشق.
وأوضح بقلة أن اسم كرد علي يحتل مكانة رفيعة بين المثقفين العرب، كونه أحد المؤسسين الأوائل للنهضة العربية الحديثة، حيث توج نشاطه العلمي برئاسة مجمع اللغة العربية عام 1919، وهو المنصب الذي ظل يحتفظ به حتى وفاته عام 1953، وكشف عن إسهام كرد علي في تأسيس مدرسة العلوم العربية العليا، التي شكّلت نواة لكليات الجامعة السورية لاحقاً، مذكّراً بأنه كان من الرواد السوريين في مصر، لكنه تميز بعدم استسلامه لجاذبيتها، وعاد ليكون أحد أبرز تلاميذ الشيخ طاهر الجزائري، داعياً إلى الإبداع والتجديد والسير في ركب الحداثة الغربية، مع الحفاظ على الهوية العربية الأصيلة.









