المزيد

‫آخر الأخبار:‬

الفساد يُكتشف بعد فوات الأوان.. هل تحتاج المؤسسات إلى رقابة تمنع الخسارة؟

‫شارك على:‬
20
هناء غانم
الوطن -

تتكرر خلال الفترة الأخيرة عمليات الكشف عن مخالفات مالية وتجاوزات داخل عدد من المؤسسات العامة، عبر أعمال التدقيق التي تجريها الجهات الرقابية، لتعيد هذه الملفات فتح نقاش أوسع حول آليات حماية المال العام، وطبيعة الدور الذي يجب أن تؤديه الرقابة في المرحلة المقبلة.

فالقضية لا ترتبط فقط باكتشاف المخالفة ومحاسبة المسؤول عنها، بل بالسؤال الأهم: كيف يمكن بناء منظومة إدارية ورقابية تمنع وقوع التجاوز قبل أن يتحول إلى خسارة مالية أو تراجع في أداء المؤسسة؟

ويرى اقتصاديون أن مكافحة الفساد لا تبدأ من التحقيقات بعد وقوع المشكلة، وإنما من طريقة إدارة المؤسسات نفسها، عبر وضوح الإجراءات، وتعزيز الرقابة الداخلية، وتطوير أدوات المتابعة والتدقيق.

وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور علي كنعان، عميد كلية الاقتصاد والتجارة، جامعة دمشق في حديثه لـ “الوطن” أن الفساد لا يمثل عبئاً مالياً فقط، بل ينعكس بشكل مباشر على إنتاجية المؤسسات وجودة الخدمات التي تقدمها للمواطنين.

ويشير كنعان إلى أن ما يصل إلى الجهات الرقابية غالباً يمثل الجزء الظاهر من المشكلة، موضحاً أن بعض التجاوزات قد تكون أكثر تعقيداً عندما يتم تغليفها بإجراءات أو مستندات تبدو قانونية، الأمر الذي يتطلب الانتقال إلى أساليب تدقيق أكثر تطوراً تعتمد على التحليل والمتابعة المستمرة.

 إصلاح متكامل:

ويؤكد أن معالجة الفساد لا يمكن أن تقوم على العقوبات وحدها، بل تحتاج إلى إصلاح مؤسسي متكامل يشمل تطوير القوانين والإجراءات، وتعزيز الحوكمة، وربط المسؤولية بالأداء، واستخدام التكنولوجيا في متابعة العمليات المالية والإدارية.

وحول دور الأجور في الحد من الفساد، يوضح كنعان أن تحسين مستوى الدخل قد يساعد في تطوير بيئة العمل، لكنه لا يمثل حلاً منفرداً، لأن الفساد يرتبط أساساً بوجود ثغرات في الأنظمة وضعف الرقابة وغياب المساءلة، وليس فقط بالظروف المعيشية.

ويضيف إن الكفاءات السورية قادرة على إدارة مؤسسات بكفاءة عالية، إلا أن تفعيل هذه الطاقات يحتاج إلى بيئة عمل حديثة تعتمد على معايير واضحة للأداء، وإجراءات أكثر شفافية، وأنظمة تساعد على تقليل الهدر ورفع الإنتاجية.

ويتفق اقتصاديون مع هذا الطرح، معتبرين أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من الرقابة التي تأتي بعد حدوث الضرر إلى رقابة استباقية تعتمد على إدارة المخاطر، بحيث يتم اكتشاف نقاط الضعف قبل تحولها إلى مخالفات.

ويؤكد هؤلاء أن التحول الرقمي وتطوير أنظمة المشتريات والعقود وتعزيز الرقابة الداخلية يمكن أن تشكل أدوات أساسية في حماية المال العام، لأن الفساد غالباً ما يستفيد من غياب المعلومات وضعف المتابعة.

وفي النهاية، فإن مواجهة الفساد ليست ملفاً رقابياً فقط، بل هي جزء من إصلاح اقتصادي وإداري أوسع، فكلما كانت المؤسسات أكثر وضوحاً في إجراءاتها، وأكثر اعتماداً على الشفافية والحوكمة، أصبحت قدرتها أكبر على حماية مواردها وتحقيق أداء أفضل.

تحدي المخاطر:

يبقى التحدي أمام الجهات المعنية هو من أنموذج يعتمد على اكتشاف المخالفات بعد حدوثها إلى أنموذج يقوم على الوقاية وإدارة المخاطر.

فالهدف النهائي لا ينبغي أن يكون فقط زيادة عدد القضايا المكتشفة، بل بناء مؤسسات تقل فيها فرص الفساد من الأساس، عبر رقابة أكثر ذكاء، وإدارة أكثر كفاءة، وشفافية أعلى في استخدام المال العام.

لذلك لا بد من آلية أكثر قدرة على حماية أموال الدولة لأنه ليس من المنطق المحاسبة والعقاب بعد وقوع الضرر فقط، بل يجب ان نبني نظاماً يجعل وقوع الضرر أكثر صعوبة منذ البداية.

مواضيع: